نظرية كينز - التوازن الاقتصادي

الموضوع في 'مكتبـة بورصـات - Borsat Library' بواسطة سمير البلوشي, بتاريخ ‏12/2/2010.

  1. سمير البلوشي

    سمير البلوشي مدير مجالس شبكة بورصات إداري مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏4/12/2008
    المشاركات:
    9,953
    مكان الإقامة:
    مسقط - ُعمان
    العمر الفوركسي:
    من 8 الى 12 عام
    الخبرة البرمجية:
    متوسط
    شهادات اقتصادية:
    لا يوجد
    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
    بسم الله الرحمن الرحيم
    اتمنى لكم قراءة ممتعة - ان شاء الله .

    التاريخ: 03/06/2008
    الكاتب: السفير/ محمد والى

    نظرية كينز:
    لا نقصد بالتوازن الاقتصادي هنا: التوازن بين المعطيات الاقتصادية مثل الاستهلاك والادخار والعرض والطلب والإنتاج والتوزيع؛ بل نقصد ما هو أعم من ذلك: التوازن الاقتصادي من منظور الفقر والغنى؛ عدم تكدس الثروات من جانب يقابله حرمان من جانب آخر. ونحن نرى أن هذا التوازن سوف يؤدي مباشرة إلى التوازنات الاقتصادية بالمعنى الفني.
    لقد كان الاقتصاديون التقليديون وخاصة التجاريون منهم[1] يركزون على الادخار وتجميع الثروات، ويرونه مقياسا للتقدم الاقتصادي؛ بحيث يكون الهدف على مستوى الاقتصاد الفردي هو تكوين ثروة، وعلى المستوى القومي تحقيق فائض في ميزان المدفوعات يؤدي إلى تدفق الثروة من الخارج إلى الداخل.
    ولكن الأزمة الاقتصادية الكبرى المعروفة بالكساد العالمي سنة 1929م والتي بدأت في الدول الصناعية، ثم امتدت آثارها إلى أقطار الأرض، واستمرت على عنفوانها حتى عام 1933م دفعت عالم الاقتصاد البريطاني المعروف اللورد كينز John Maynard Keynes (المتوفى 1946م) إلى أن يقترح على الحكومة البريطانية وقتها زيادة الإنفاق العام؛ بهدف تنشيط الطلب؛ لأن تراخي الطلب هو السبب المباشر للانكماش.
    وقد عرض كينز نظريته تفصيلا في كتابه: "النظرية العامة في التشغيل والفائدة والعملة" المنشور عام 1936م.[2] وقد أبرز في عرضه بشكل قاطع دور الطلب الفعلي، وبيَّن كيف أن تراخيه يؤدي مباشرة وبشكل تلقائي إلى الانكماش. ولقد أصبح المُشكل الرئيسي منذ تلك الأزمة العاصفة؛ هو اجتناب البطالة بمواصلة الاستثمار وإنعاش الاقتصاد. ولكن هذا يقتضي تعبئة الأموال العاطلة وتوظيفها. وهنا ينصح كينز بثلاثة إجراءات رئيسية:
    1. إحياء الطلب الفعلي.
    2. تسهيل توظيف الأموال في الإنتاج بتخفيض سعر الفائدة.
    3. زيادة الإنفاق العام حيث يترجم إلى أجور ودخول تسهم في إنعاش الطلب.
    لكن كيف يمكن تحويل النقود العاطلة إلى سوق الإنتاج؛ هذا مرتبط بسير سوق المال؛ أي بالمقارنة بين سعر الفائدة ومعدل الربح؛ لذا أدخل كينز مفهوما جديدا يفسر به توظيف رأس المال في الإنتاج، وهو الفعالية الحدية لرأس المال. فلابد أن تكون هذه الفعالية أكبر من سعر الفائدة حتى يقترض الأفراد الأموال ويوظفونها في الإنتاج؛ لذا يجب حصر سعر الفائدة في مستوى منخفض. لكن إذا كان سعر الفائدة منخفضا فهذا لن يدفع أصحاب الأموال النقدية المدخرة إلى إقراضها، وسيفضلون اكتنازها؛ وهذا ما يسميه كينز بالترجيح للسيولة. وإذا انخفض سعر الفائدة تحت أدنى مستوى ممكن أصبح الترجيح للسيولة لانهائيا؛ فيدخل الاقتصاد حينئذ فيما يسميه كينز: "خندق العملة".
    وهذا يعني أن ارتفاع سعر الفائدة سيجعل الأفراد يُحجمون عن الاقتراض، وانخفاضها إلى أدني من المستوى الممكن سيجعل المقرضين – على الطرف الآخر – يحجمون عن الإقراض؛ ومن ثم يجب أن يكون سعر الفائدة في أدنى مستوى ممكن بشرط ألا ينخفض عنه. وهذه الأفكار فيها قدر كبير من الصواب، ولكن دعنا أولا نوضح معالمها. لقد أبرز كينز دور الطلب، وأوضح كيف أن انخفاض الطلب يؤدي إلى الركود؟. ولكنه لم يبحث عن سبب انخفاض الطلب. والحقيقة أن انخفاض الطلب هو النتيجة الطبيعية لسوء توزيع الدخول؛ بمعنى أن تركيز الثروة في يد فئة قليلة لابد أن يتبعه تراخي الطلب؛ لأن النسبة الكبرى من حجم الطلب تكون من الأغلبية؛ ولما كانت الأغلبية لا تجد دخولا كافية؛ فإنها ستعجز عن الشراء فينخفض الطلب. ولما كان من طبيعة الاقتصاد الرأسمالي أن تيار الثروة ينتقل باستمرار من الفقراء إلى الأغنياء؛ فإنه لابد أن يصل إلى نقطة الانكماش، والسر في ذلك يرجع في الجانب الأكبر منه إلى الفوائد الربوية؛ لأن الفائدة الربوية تعني أن نصيب صاحب المال مضمون، في حين أن العامل (المقترض أو صاحب المشروع) قد يربح وقد يخسر. وهذا يعني في الإجمال أن الفقير سيزداد فقرا؛ بينما الغني يزداد غنى. ولتوضيح المسألة بصورة أبسط إن الأغنياء قد أشبعوا احتياجاتهم من قبل، وكل زيادة في دخولهم ستتجه في غالبها إلى الادخار؛ بينما الفقير لم يشبع حاجاته وكل زيادة في دخله ستترجم إلى إنفاق على سلع وخدمات يحتاج إليها. ومن هنا يتراخى الطلب لأن صاحب الحاجة لا يجد ما ينفقه، وصاحب المال لم يعد في حاجة للإنفاق. ولذلك كان من الطبيعي أن تمر الاقتصاديات الرأسمالية بما يعرف بالدورة الاقتصادية؛ وهي دورة النمو والانكماش تزدهر المشروعات ثم تتوقف؛ لأن الناتج قد ساء توزيعه بما لا يكفي لاستيعاب المعروض؛ فيتراخى الطلب؛ فتضطر المشروعات إلى تقليص نشاطها؛ فيؤدي ذلك إلى مزيد من الانكماش، وهكذا، والمعتاد أن تكون حركة الانكماش أسرع من حركة النمو، وهذا طبيعي لأن الصعود دائما أبطأ من الهبوط، ثم تعود الحالة إلى الازدهار التدريجي وهكذا.
    لقد عالج كينز هذه المشكلة – كما سبق ورأينا – باقتراحين: أولهما: تدخل الدولة لزيادة الإنفاق العام بمعنى استخدام السياسة المالية في محاولة استعادة التوازن بين الفقراء والأغنياء. والاقتراح الثاني: الإبقاء على سعر الفائدة في أدنى مستوى ممكن؛ لأن ارتفاع سعر الفائدة وإن أدى إلى زيادة كمية النقود المعروضة للإقراض وبالتالي زيادة الاستثمار والنمو؛ إلا أن هذا سرعان ما سينقلب إلى انكماش حاد لثلاثة أسباب: أولها أنه سيسرع من انتقال تيار الثروة من الفقراء إلى الأغنياء. وثانيها: أن سعر الفائدة سيضاف إلى تكلفة السلعة فيرتفع سعرها وتصبح فوق مقدرة أصحاب الدخول المحدودة – وهم الأغلبية – فيتراخى الطلب. وثالثها أن أصحاب المشروعات سيحجمون عن الاقتراض لأن الربح الذين يتوقعون الحصول عليه من زيادة الاستثمار سيكون أقل من سعر الفائدة.
    كان لابد من هذه المقدمة حتى يتبين للقارئ كيف عالج الإسلام هذه المشكلة: مشكلة التوازن الاقتصادي أو بعبارة أخرى تجنب الاختلال أو تجنب عدم التوازن.

    احترام الملكية الفردية:

    المال في الأصل لله تعالى؛ لأن الكون كله لله، والإنسان مستخلف فيه؛ فيجب على المستخلف ألا يخالف شروط الاستخلاف. وهذا مفهوم؛ لأن الإنسان يعيش على هذه الدنيا فترة محدودة ثم يتركها ويترك ماله وأهله وولده، فهي ليست مستقره، وإنما مستقره في الدار الآخرة، وما الحياة الدنيا إلا متاع.
    وإذا كان المال لله والكون كله لله فإن الله سبحانه وتعالى قد استخلف الناس فيه، وأضاف أموالهم لهم وشرط عليهم الإنفاق مما استخلفوا فيه:
    (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتـَــخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)(7/الحديد).
    (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (33/النور).
    وإذا كان قد أحل لهم التمتع بالطيبات واعتبر حرمان الإنسان نفسه منها مع القدرة عليها كفرا بنعمة الله وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".[3](وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (31/الأعراف). فإنه كذلك نهاهم عن السرف:
    (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (27/الإسراء). وكما نهاهم عن الإسراف نهاهم كذلك عن الشح والتقتير: )وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا( (67/الفرقان). (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (29/الإسراء).
    والإسراف والتقتير كلاهما مرض تترتب عليه نتائج اجتماعية خطيرة؛ أما السرف فهو يؤدي إلى الترف. والسرف لا يكون في البر لأن الإنفاق في البر لا يعد سرفا؛ وإنما السرف في المحرم، وحتى السرف في المباح له ضرره لا شك في ذلك؛ فالإسراف في الطعام مثلا – وهو في الأصل مباح – يؤدي إلى الأمراض. والسرف يؤدي إلى الترف والترف مرض في ذاته لأنه ينتهي بصاحبه إلى الترهل، وعدم القدرة على العمل الجاد المفيد؛ بل وإلى الانحلال؛ ولذلك جاء الكتاب العزيز بذم الترف والمترفين من نحو قوله تعالى: )وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ( (33/المؤمنون) أي متعناهم.
    ومن نحو قوله تعالى: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (116/هود) أي اتبعوا الشهوات.
    ومن نحو قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(34/سبأ)؛ مترفوها هم الذين أترفتهم النعمة - أي أبطرتهم - فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي، ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق. ونسب القول إلى المترفين مع أن غيرهم أيضا قالوا: (إنا بما أرسلتم به كافرون) لأن الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول، ألا ترى أن الله عز وجل؛ قال عن الذين استضعفوا أنهم قالوا للمستكبرين لولا أنتم لكنا مؤمنين. ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد فقالوا: (نحن أكثر أموالا وأولادا) أي بسبب لزومنا ما نحن فيه (وما نحن بمعذبين) أي في الآخرة؛ كأنهم قالوا حالنا عاجلا خير من حالكم، وأما آجلا فلا نعذب إما إنكارا منهم للعذاب رأسا أو اعتقادا لحسن حالهم في الآخرة قياسا على حسن حالهم في الدنيا.
    ومن نحو قوله تعالى: )حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ((64/المؤمنون)؛ يعني فتحنا عليهم أبواب الخيرات فعند ذلك تمردوا.
    ومن نحو قوله تعالى: ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) (45/الواقعة)
    ومن نحو قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)(16/الإسراء).
    "وصاحب المال المتضخم لا يعنيه إلا أن يجد متصرفا للفائض من حيويته، والفائض من ثروته؛ وليست الدعارة وسائر ما يتصل بها من خمر وميسر وتجارة رقيق وقوادة وسقوط مروءة وضياع شرف؛ سوى أعراض لتضخم الثروة في جانب، وانحسارها عن الجانب الآخر، وعدم التوازن في المجتمع نتيجة هذا التفاوت".[4] ولذلك كان الترف من أسباب الفناء كما لاحظ ابن خلدون؛ فالجيل الذي يبني ويكافح ويكون الثروة لا وقت لديه للترف، فإذا ورث أبناؤه هذه الثروة غالبا ما يكونون أقل جسارة وطموحا، ثم إنهم يريدون التمتع بهذه الثروة فيكون في انصرافهم إلى الشهوات سبب فنائهم في الغالب.
    هذا من الناحية الاجتماعية والخلقية؛ وأما من الناحية الاقتصادية: فإن الانغماس في الترف من جانب والحرمان من الجانب الآخر لا يفضي فقط إلى القلاقل والاضطرابات؛ بل وأيضا إلى الكساد الذي يعم الجميع؛ حيث يتراخى الطلب لانحسار القدرة الشرائية عن الغالبية الساحقة، وتوصد أبواب الرزق الحلال، وتكون معظم أسباب الرزق في الأعمال غير المشروعة كالدعارة وما يتصل بها.
    وإذا كان الترف مرضا في ذاته، وهو ناجم من تضخم الثروات عند البعض؛ فإن التقتير مرض كذلك؛ لأنه يؤدي إلى التشاح والتمانع وانعدام المروءة والتباغض بين الناس: "فاليد المغلولة كاليد المسرفة كلتاهما لا يقبلها الإسلام لما في كلتيهما من ضرر عائد على النفس وعلى الجماعة: )وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا( (29/الإسراء). (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (31/الأعراف). فأما غل اليد فحرمان للنفس من المتاع المشروع، والإسلام يكلف الفرد تمتيع ذاته في الحدود المشروعة، ويكره للناس أن يحرِّموا في غير مُحَرَّم؛ لأن الحياة لابد أن تستساغ، وأن تُجَمَّل، وأن تكون بهيجة في غير لهو ولا إسراف. والإسلام لا يوجب التزمت والزهد والحرمان من طيبات الحياة؛ فهو يأمر بني آدم بأن يتزينوا الزينة اللائقة كما مر في الآية الكريمة. ويقول بعد ذلك في لهجة استنكارية: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (32–33/الأعراف).
  2. سمير البلوشي

    سمير البلوشي مدير مجالس شبكة بورصات إداري مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏4/12/2008
    المشاركات:
    9,953
    مكان الإقامة:
    مسقط - ُعمان
    العمر الفوركسي:
    من 8 الى 12 عام
    الخبرة البرمجية:
    متوسط
    شهادات اقتصادية:
    لا يوجد


    "والإسلام يطلب الاستمتاع بمباهج الحياة المعقولة للناس جميعا كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم؛ لذلك وجه الخطاب هنا إلى بني آدم. فإذا دعا في بعض الأحيان إلى الصبر والرضى؛ فليست هذه دعوة إلى التزهد والحرمان؛ إنما هي دعوة لاحتفاظ النفس بطمأنينتها على الشدائد إلى أن تزول أو تزال. أما بعد ذلك فكل فرد مطالب بأن يستمتع المتاع الحلال. والجماعة مطالبة أن تهيئ هذا المتاع لأفرادها جميعا؛ فلا تحرمهم مما يدعوهم الله أن يستمتعوا به في الحياة. لذلك قرر للفقراء - وهم الذين يملكون ما دون نصاب الزكاة – نصيبا يعطونه من الزكاة للتوسعة عليهم في الرزق؛ لا لمجرد الكفاف فهم يملكون الكفاف. ذلك أن الإسلام لا يدعو للكفاف وحده؛ إنما يدعو للمتاع بالحياة؛ والمتاع فوق الكفاف. فإذا كان الإسلام يعطي الفقير فضلة من أموال الزكاة؛ يوسع بها على نفسه، ويستمتع بما هو فوق ضروراته؛ فأولى أن ينفق الواجد، وأن يتمتع بالحياة متاعا معقولا، وأن لا يحرم نفسه من طيباتها وهي كثيرة؛ لتغدو الحياة بهيجة جميلة، ولتنطلق النفس إلى ما هو فوق الضرورة؛ من التفكير العالي، والإحساس الراقي، والتأمل في الكون والخلق، والنظر إلى الجمال والكمال والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف إن الله يحب أن ترى نعمته على عبده "[5]؛ فيعد الشظف والمتربة – مع القدرة – إنكارا لنعمة الله".[6]
    كان هذا من الزاوية الأخلاقية أما من الزاوية الاقتصادية فإن التوفير والاقتصاد في المعيشة يفيد صاحبه، ويفيد المجتمع أيضا؛ لأنه السبيل لتكوين ثروات أو رؤوس أموال تضخ في الاقتصاد القومي على شكل استثمارات سواء في مشروعات جديدة أو في توسيع المشروعات القائمة. لكن من زاوية أخرى؛ إذا كان كل مال يدخل في جيب الشخص لا يخرج منه؛ توقف الاقتصاد، وتوقفت عجلة الإنتاج؛ لأن معنى ذلك توقف الطلب؛ ولما كان المنتج ينتج لكي يبيع؛ فإذا لم يجد من يشتري توقف عن الإنتاج.
    ولذلك نهى الكتاب العزيز عن كنز المال: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (34/التوبة).
    والذهب هو النقود التي كان يستخدمها الناس إلى وقت قريب، وكنزها معناه تعطيلها عن أداء دورها المنتج في النظام الاقتصادي، وفي هذا المعنى أيضا النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة لقوله صلى الله عليه وسلم: "من شرب في آنية من ذهب أو فضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم"؛[7] لأن في هذا تعطيل للنقود وصرفها عما خصصت له؛ إذ غاية الآنية حجز المائعات، ويمكن أن تقوم بذلك أي مادة خلاف الذهب والفضة التي يتعامل بها الناس. ولذلك أيضا؛ فرض الشارع زكاة على رؤوس الأموال السائلة 5ر2%، ومعنى ذلك أن ينتهي رأس المال بأكمله في أربعين عاما إذا لم يستثمر أو يُستغَل.
    وفي هذا المعنى يقول الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى 505هـ): "وهذا لأن المراد من خلق الخلق، وخلق الدنيا وأسبابها؛ أن يستعين الخلق بهما على الوصول إلى الله تعالى، ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا، والتجافي عن غرور الدنيا، ولا أنس إلا بدوام الذكر، ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر؛ ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن، ولا يبقى البدن إلا بالغذاء؛ ولا يتم الغذاء إلا بالأرض والماء والهواء؛ ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض، وخلق سائر الأعضاء ظاهرا وباطنا. فكل ذلك لأجل البدن، والبدن مطية النفس، والراجع إلى الله تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة؛ ولذلك قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلآ لِيَعْبـُدُونِ) (56/الذاريات). فكل من استعمل شيئا في غير طاعة الله؛ فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لابد منها لإقدامه على تلك المعصية. ولنذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ليست في غاية الخفاء حتى تعتبر بها، وتعلم طريقة الشكر والكفران على النعم؛ فنقول من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير، وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما؛ ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث أن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه، ويملك ما يستغني عنه؛ كمن يملك الزعفران مثلا، وهو في حاجة إلى جمل يركبه، ومن يملك الجمل ربما يستغني عنه ويحتاج إلى الزعفران. فلابد بينهما من معاوضة، ولابد في مقدار العوض من تقدير؛ إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين الجمل والزعفران حتى يقال: يعطى منه مثله في الوزن أو الصورة. وكذا من يشتري دارا بثياب أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار؛ فهذه الأشياء لا تناسب فيها؛ فلا يدري أن الجمل كم يساوي بالزعفران؛ فتتعذر المعاملات جدا؛ فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم فيها بحكم عدل، فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته، حتى إذا تقررت المنازل، وترتبت الرتب، علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي؛ فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال بهما؛ فيقال: هذا الجمل يساوي مائة دينار، وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة؛ فهما من حيث إنهما مساويان لشيء واحد إذن متساويان. وإنما أمكن التعديل بالنقدين؛ إذ لا غرض في أعيانهما، ولو كان في أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في حق صاحب الغرض ترجيحا، ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له؛ فلا ينتظم الأمر؛ فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكونان حاكمين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء؛ لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة؛ فمن ملكهما فكأنه ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوبا؛ فإنه لم يملك إلا الثوب؛ فلو احتاج إلى طعام، ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب؛ لأن غرضه في دابة مثلا؛ فاحتيج إلى شيء آخر في صورته؛ كأنه ليس بشيء، وهو في معناه كأنه كل الأشياء. والشيء إنما تستوي نسبته إلى المختلفات؛ إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها، كالمرآة لا لون لها، وتحكي كل لون. كذلك النقد لا غرض فيه، وهو وسيلة إلى كل غرض، وكالحرف لا معنى له في نفسه، وتظهر به المعاني في غيره؛ فهذه هي الحكمة الثانية. وفيها أيضا حكم يطول ذكرها؛ فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم؛ بل يخالف الغرض المقصود بالحكم؛ فقد كفر نعمة الله تعالى فيها؛ فإذن من كنزها فقد ظلمها وأبطل الحكمة فيها، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه؛ لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم، ولا يحصل الغرض المقصود به. وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمرو خاصة؛ إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران؛ وإنما خلقتا لتتداولهما الأيدي؛ فيكونا حاكمين بين الناس، وعلامة مُعَرِفََةً للمقادير مُقَوِمَةً للمراتب؛ فأخبر الله تعالى الذين يعجزون عن قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة على صفحات الموجودات بخط إلهي لا حرف فيه ولا صوت الذي لا يُدرَك بعين البصر بل بعين البصيرة، أخبر هؤلاء العاجزين بكلام سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصل إليهم بواسطة الحرف والصوت المعنى الذي عجزوا عن إدراكه؛ فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) (34/التوبة).
  3. سمير البلوشي

    سمير البلوشي مدير مجالس شبكة بورصات إداري مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏4/12/2008
    المشاركات:
    9,953
    مكان الإقامة:
    مسقط - ُعمان
    العمر الفوركسي:
    من 8 الى 12 عام
    الخبرة البرمجية:
    متوسط
    شهادات اقتصادية:
    لا يوجد


    "وكل من اتخذ من الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة فقد كفر النعمة، وكان أسوأ حالا ممن كنز؛ لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال التي يقوم بها أخساء الناس، والحبس أهون منه؛ وذلك أن الخزف والحديد والرصاص والنحاس تنوب مناب الذهب والفضة في حفظ المائعات عن أن تتبدد؛ وإنما الأواني لحفظ المائعات، ولا يكفي الخزف والحديد في المقصود الذي أُريد به النقود؛ فمن لم ينكشف له هذا، انكشف له بالترجمة الإلهية؛ وقيل له: "من شرب في آنية من ذهب أو فضة فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم".[8]
    "وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير؛ فقد كفر النعمة وظلم لأنهما خُلقا لغيرهما لا لنفسهما؛ إذ لا غرض في عينهما؛ فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة؛ إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم، ومن معه ثوب ولا نقد معه، فقد لا يقدر على أن يشتري طعاما ودابة، إذ ربما لا يباع الطعام والدابة والثوب؛ فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل النقد فيتوصل به إلى مقصوده؛ فإنهما وسيلتان إلى الغير، لا في أعيانهما، وموقعهما في الأموال كموقع الحرف من الكلام كما قال النحويون: إن الحرف هو الذي جاء لمعنى في غيره، وكموقع المرآة من الألوان، فأما من معه نقد لو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله؛ لبقي النقد متقيدا عنده وينزل منزلة المكنوز. وتقييد الحاكم والبريد الموصل إلى الغير ظلم، كما أن حبسه ظلم؛ فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم”.[9]

    الملكية العامة:

    والملكية العامة للمسلمين كجماعة مبدأ أصيل في النظرية الاقتصادية الإسلامية، وهي تشمل المرافق العامة، وتشمل المراعي التي تخصص لخيل الجهاد وإبل الصدقة وما شابه ذلك. فقد حمى الرسول صلى الله عليه وسلم وحمى بعده خلفاؤه، كما اعتبر الأشياء التي لا غنى للناس عنها، ولا يتوقف وجودها ولا الانتفاع بها على مجهود خاص؛ مثل ماء المطر، وماء الأنهار، والحطب في الغابات أو في الصحراء، والكلأ الذي ينبت بريا دون زراعة من قبيل الملكية العامة للمسلمين؛ والتي لا يجوز لفرد الاستئثار بها.
    أما الماء؛ فقد روى ابن ماجه بإسناده إلى إياس بن عبد المزني؛ أنه قال: لا تبيعوا الماء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يباع الماء. وقال أبو يوسف: "حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كتب غلام لعبد الله بن عمرو إلى عبد الله بن عمرو: أما بعد فقد أُعطيت بفضل مائي ثلاثين ألفا، بعد ما أرويت نخلي وزرعي وأصلي؛ فإن رأيت أن أبيعه وأشتري به رقيقا وأستعين بثمنه في عملك فعلت. فكتب إليه: قد جاءني كتابك وفهمت ما كتبت به إلي،ّ وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من منع من فضل ماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة"[10]الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الماء.[13] قال أبو يوسف: وتفسير هذا عندنا - والله أعلم – أنه نهى عن بيعه قبل أن يحرز، والإحراز لا يكون إلا في الأوعية والآنية؛ فأما الآبار والأحواض فلا. فإذا جاءك كتابي هذا فاسق زرعك ونخلك وأصلك وما فضل فاسق جيرانك الأقرب فالأقرب والسلام".[11] وقال أبو يوسف أيضا: "حدثنا الحسن بن عمارة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يمنعن أحدكم الماء مخافة الكلأ".[12] وقال أيضا: "حدثنا بعض أشياخنا عن عمرة عن عائشة قالت: نهى رسول
    قال أبو يوسف: "ولو أن صاحب العين أو النهر أو البئر أو القناة منع ابن السبيل من الشرب منها وأن يسقي دابته أو بعيره أو شاته حتى يخاف على نفسه؛ فإن أصحابنا كانوا يرون القتال على الماء إذا خاف الرجل على نفسه بالسلاح إذا كان في الماء فضل عمن هو معه، ولا يرون ذلك في الطعام، ويرون فيه الأخذ والغصب من غير قتال. فأما الماء خاصة فإنهم كانوا يرون فيه إذا خيف على النفس قتال المانع منه، وهو في المصانع والآبار والأنهار وقتال المانع منه وهو في الأوعية عند الاضطرار إذا كان فيه فضل عمن هو في يده. ويحتجون في ذلك بحديث عمر في القوم السُفَّر الذين وردوا ماء،ً فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر؛ فلم يدلوهم عليها فقالوا: إن أعناقنا وأعناق مطايانا قد كادت تنقطع من العطش فدلونا على البئر واعطونا دلوا نستقي؛ فلم يفعلوا فذكروا ذلك لعمر؛ فقال: هلاّ وضعتم فيهم السلاح".[14]
    وأما الكلأ ويلحق به أيضا النار؛ أي حطب الوقود مما قد يوجد في الفلاة دون زرع أو جهد؛ فقد حكى أبو يوسف قال: "وحدثني حريز بن عثمان الحمصي عن حبان بن زيد الشرعبي؛ قال: كان منا رجل بأرض الروم نازلا، وكان قوم يرعون حول خبائه فطردهم؛ فنهاه رجل من المهاجرين عن ذلك وزجره فامتنع؛ فقال الرجل: لقد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث غزوات أسمعه فيها يقول: "الناس شركاء في ثلاثة الكلأ والماء والنار".[15]
    وقد يلحق بذلك أيضا الملح، إذا كان من النوع الذي يظهر في الجبال والصحاري ولا يحتاج إلى علاج خاص. ويؤيد ذلك ما ورد في كتب السنة أن أبيض بن جمال وفد من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب إليه أن يقطعه الملح الذي ببعض الجهات في بلاده؛ فأقطعه له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما خرج بصفقته؛ قال رجل: يا رسول الله؛ إن هذا الملح بأرض ليس فيها ماء - أي يستخرج دون مشقة وليس كالملح الذي يستخرج من الملاّحات بعلاج خاص – ومن ورده من الناس أخذه وهو مثل الماء العد – أي مثل الماء الجاري الذي لا تنقطع مادته فقال صلى الله عليه وسلم لما سمع ذلك: "فلا إذن" وانتزع الملح من أبيض بن جمال. وقد وضّح السندي في شرحه لهذا الحديث بسنن ابن ماجه الأصل الذي انبنى عليه عمل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "أعطاه أولا ظنا منه بأنه معدن يحصل منه الملح بعمل وكد؛ فلما ظهر خلافه رجع" ثم قال: "وفيه دليل على أن المعادن إذا كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير تعب وكد؛ لا يجوز إقطاعها بل الناس فيها سواء كالماء والكلأ".[16]
    وقد بنى المالكية على ذلك أن ما يكون في باطن الأرض من معادن لا يتبع ملكية الأرض؛ بل هو ملك عام للمسلمين، وحجتهم في ذلك أن مالك الأرض؛ إنما يملك ظاهرها دون باطنها؛ ولأنه يملك ما تستعمل فيه الأرض عادة؛ وهو الزرع والبناء. وليس من الانتفاع المعتاد بالأرض استخراج المعادن منها؛ لأن المعادن وديعة الله في الأرض؛ فتكون لكل خلقه؛ لا يختص بها إنسان دون آخر. والجمهور على أن المعدن يملك ملكية خاصة؛ إذا استخرج من أرض مملوكة ملكية خاصة، أما إذا ظهر في أرض بلا صاحب فهو ملكية عامة؛ إلا إذا قام أحد باستخراجه وبذل جهده فيه فيكون حكمه حكم إحياء الموات. يقول الإمام الشافعي: "ومثل هذا كل عين ظاهرة كنفط أو قار أو كبريت أو مومياء (نوع من الدواء) أو حجارة ظاهرة في غير ملك لأحد؛ فليس لأحد أن يتحجرها دون غيره، ولا لسلطان أن يمنعها لنفسه، ولا لخاص من الناس؛ لأن هذا كله ظاهر كالماء والكلأ، ولو تحجر رجل لنفسه من هذا شيئا أو منعه له سلطان كان ظالما".[17] ويقول الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع: "وأرض الملح والقار والنفط ونحوها مما لا يستغني عنها المسلمون؛ لا يجوز للإمام أن يعطيها لأحد؛ لأنها حق لعامة المسلمين". ويقول ابن قدامة الحنبلي في المغني: "وجملة ذلك أن المعادن التي ينتابها الناس وينتفعون بها من غير مؤونة كالملح والماء والكبريت والقار والمومياء والنفط والياقوت وأشباه ذلك لا يجوز احتجازها دون المسلمين؛ لأن فيه ضررا بهم وتضييقا عليهم".
    ونحن نرى الصواب مع الجمهور؛ لأن المعادن المملوكة ملكية عامة ولا يجوز منع أحد منها، يشترط لها شرطان: أن تكون في أرض غير مملوكة لأحد، وأن يكون استخراجها مما لا يحتاج إلى كد ونفقة. أما ما ذكره الإمام مالك من أن المعادن وديعة الله في أرضه؛ فهي لكافة خلقه؛ فليس تبريرا لمنع الملكية الخاصة عنها؛ لأن كل شيء في الوجود فهو وديعة الله؛ وإنما نشأت الملكية نتيجة الجهد والعمل. ومن هنا جاءت أحكام إحياء الموات؛ ولنوضح ذلك بمثل بسيط: السمك في الماء لا يملكه أحد ولا يصح منع أحد من الصيد؛ ولكن بمجرد أن وقع في شبكة الصياد أصبح ملكا له.
    وأما أحكام إحياء الموات؛ فقد روى أبو يوسف في الخراج عن ليث بن طاووس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعد فمن أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين". فإذا قارنت هذه الأحكام بالقانون الفرنسي؛ الذي تأخذ به معظم القوانين الوضعية الآن؛ لعرفت الفرق؛ ففي تلك القوانين تثبت الملكية بوضع اليد لمدة 15 سنة سواء أقام واضع اليد بإحيائها أم لم يقم، فهذه القوانين تقر الأمر الواقع، ولا شأن لها بالحكمة من التملك، ولا بالأصل فيه الذي هو العمل.
    وقد اختلفوا في مقدار الصدقة الواجبة في المعادن؛ فقال أهل العراق المعدن والمال المدفون كلاهما ركاز وفي الركاز الخمس، وأما أهل الحجاز فقالوا: إن الركاز هو المال المدفون وفيه الخمس؛ فأما المعدن فليس بركاز ولا خمس فيه، وفيه الزكاة فقط وقاسوها على الزرع لأن كلاهما خارج من الأرض ويحتاج في إخراجه إلى عمل ونفقة. ويُقَوّم في هذه الحالة بالمال، ثم يعامل معاملة عروض التجارة. وهذا هو المختار عندي؛ لأن وجه الشبه بينه وبين الزرع أقوى من المشابهة بينه وبين المال المدفون.
  4. سمير البلوشي

    سمير البلوشي مدير مجالس شبكة بورصات إداري مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏4/12/2008
    المشاركات:
    9,953
    مكان الإقامة:
    مسقط - ُعمان
    العمر الفوركسي:
    من 8 الى 12 عام
    الخبرة البرمجية:
    متوسط
    شهادات اقتصادية:
    لا يوجد


    ملكية الأراضي:

    لما فُتحت البلدان على عهد عمر رضي الله عنه؛ اختلف الصحابة في أراضي السواد بالعراق؛ لأنها فتحت عنوة وكذلك الشام ومصر هل تعد من الأنفال؟ أي تقسم بين الفاتحين، ويكون لبيت المال الخمس فقط لقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (41/الأنفال) أو تعد من الفيء؛ لقوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (7/الحشر). وفي هذه الحالة تكون ملكا عاما للمسلمين؛ ويقسم على الفاتحين الخمس فقط. قال أبو عبيد: "قدم عمر الجابية؛ فأراد قسم الأرض بين المسلمين؛ فقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره؛ إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم".[18]
    وقال أبو يوسف: "فأما الفيء فهو الخراج عندنا – خراج الأرض - والله أعلم – لأن الله يقول في كتابه: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (7/الحشر) حتى فرغ من هؤلاء؛ ثم قال: )لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (8/الحشر) وقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (9/الحشر) فهذا فيما بلغنا والله أعلم للأنصــــــار خاصة؛ ثم قال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (10/الحشر)؛ فهذا - والله أعلم – لمن جاء بعدهم من المؤمنين إلى يوم القيامة.
    "وقد سأل بلال وأصحابه عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قسمة ما أفاء الله عليهم من العراق والشام؛ وقالوا: اقسم الأرض بين الذين افتتحوها كما تقسم غنيمة العسكر؛ فأبى عمر ذلك عليهم؛ وتلا عليهم هذه الآيات؛ وقال: قد أشرك الله الذين يأتون من بعدهم في هذا الفيء؛ فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه.
    "قال أبو يوسف: وحدثني بعض مشايخنا عن يزيد بن أبي حبيب: أن عمر كتب إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم، وما أفاء الله عليهم؛ فإذا أتاك كتابي هذا؛ فانظر ما أجلب الناس عليك به إلى العسكر من كراع ومال؛ فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها؛ ليكون ذلك في أعطيات المسلمين؛ فإنك إن قسّمتها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء".[19]
    وبعد مشاورة؛ استقر الرأي على ما أشار به علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما من عدم تقسيم الأراضي وجعلها ملكية عامة للمسلمين. وقد تأول عمر في ذلك آية الفيء– من سورة الحشر – وقال قد استوعبت هذه الآية الناس. وما انطبق على أرض العراق انطبق أيضا على الشام ومصر.
    فكأن ملكية الرقبة اعتُبِرت ملكية عامة؛ والأرض في يد أهلها يزرعونها، ويؤدون لبيت المال الخراج؛ وهو جزء مما تخرجه الأرض. ثم إن ملكية الرقبة؛ وإن كانت عامة - فإن الوضع العملي هو أن الأراضي ملكية خاصة لأصحابها؛ فأهلها يتوارثونها ويتبايعونها؛ فكأن ملكية الرقبة تعني مجرد تحصيل جزء من الناتج – كإيجار– والأرض لأصحابها بمثابة الحكر الذي يدفعون عنه إيجارا زهيدا. يقول أبو يوسف: "أيما أرض افتتح الإمام عَنوة؛ فقسمها بين الذين افتتحوها إن رأى ذلك أفضل فهو في سعة من ذلك، وهي أرض عشر؛ وإن لم ير قسمتها؛ ورأى الصلاح في إقرارها في أيدي أهلها؛ كما فعل عمر بن الخطاب في السواد؛ فله ذلك، وهي أرض خراج. وليس له أن يأخذها بعد ذلك منهم، وهي ملك لهم يتوارثونها ويتبايعونها ويضع عليهم الخراج ولا يُكَلّفوا من ذلك ما لا يطيقون".[20]
    ولذلك لم نر خلافا لأحد من العلماء في عدم جواز نزع ملكية الأراضي من يد أصحابها – رغم أن ملكية الرقبة لبيت مال المسلمين – إلا في حالة المنفعة العامة، وبشرط التعويض الكامل – أي بحسب سعر السوق. جاء في حسن المحاضرة للسيوطي؛ أن الملك الظاهر بيبرس أراد نزع الأراضي في مصر والشام من يد أصحابها؛ بدعوى أن هذه الأرض مملوكة ملكية عامة منذ الفتح؛ فتصدى له العلماء خاصة النووي (المتوفى 677هـ)؛ وانتهى الأمر ببقاء الوضع في ملكية الأراضي المصرية والشامية على ما كانت عليه دون تغيير. يقول النووي في ذلك: "إن ذلك غاية العناد، وإنه عمل لا يحله أحد من علماء المسلمين، ومن في يده فهو ملكه لا يحل الاعتراض عليه ولا يكلف إثباته".[21]
    ولذلك فنحن نرى أن ما حدث في مصر أيام عبد الناصر والقوانين الاشتراكية من مصادرة الأراضي من يد أصحابها – غاية الظلم – نعم من الناحية الاقتصادية كانت الأراضي الزراعية بالوعة الاستثمارات في مصر؛ لأن الناس كانوا يفضلون استثمار أموالهم فيها، وكانت التجارة والصناعة بأيدي الأجانب؛ ولكن كانت هناك بوادر نهضة اقتصادية منذ أن أسس طلعت حرب بنك مصر وشركاته في ثلاثينات القرن العشرين، وكان من المفيد وضع حد أقصى لملكية الأراضي الزراعية – 200 فدان مثلا – لدفع أصحابها إلى سحب أموالهم من هذا القطاع، والاتجاه إلى أوجه الاستثمار الأخرى كالتجارة والصناعة؛ ولكن بشرط أن تعطى مهلة – سنتين مثلا – لأصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة للتصرف في أراضيهم الزائدة، وبيعها بمعرفتهم؛ وإذا انقضت المهلة وبقيت أراضي أكثر من الحد الأقصى لم يتصرف أصحابها فيها أخذتها الدولة وباعتها للفلاحين مع دفع التعويض الكامل – أي سعر السوق، وأي تعويض بخلاف سعر السوق؛ فهو ظلم لاشك فيه. ولكن الذي وقع فعلا أن تحديد الملكية الزراعية، بالصورة التي تمت بها؛ لم يفد القطاعات الإنتاجية الأخرى في الوقت الذي خرب فيه الزراعة؛ لأن الحكومة ما لبثت عقب العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 أن صادرت أموال الأجانب – في ظل ما عُرف بقانون التمصير – وكان يمكن أن يؤدي ذلك إلى انتعاش المستثمر المصري، وأن يساعد في ترسيخ النهضة التي بدأت مع بنك مصر وشركاته؛ ولكن هذا لم يحدث أيضا إذ سرعان ما صدرت القوانين الاشتراكية عام 1961م لتأخذ أموال المصريين أيضا وتحول المشروعات إلى قطاع عام تابع للدولة سرعان ما ينتهي به الأمر إلى تخريب الاقتصاد الوطني لصالح مجموعة من المرتشين والفاسدين وناهبي الأموال العامة، ويتحول القطاع العام من قطاع منتج للثروة إلى قطاع مستنزف للثروة على حساب دافع الضرائب الذي يتحمل خسائره المتصاعدة من الموازنة العامة. وبعد أن تنتهي هوجة الاشتراكية، ويثبت فشلها حتى في عقر دارها يعود الأمر مرة أخرى إلى بيع القطاع العام للشركات الخاصة؛ ولكن الخطورة هذه المرة هي في هذا الغزو الأجنبي المنظم للاقتصاد الوطني بحيث إن ما نخشاه هو أن يشتري الأجانب – وغالبا اليهود – مشروعاتنا ليتحولوا إلى طبقة ملاك ويحولوننا إلى أجراء، وبدل أن كنا قبل التأميم نتحدث عن سيطرة رأس المال على الحكم؛ نصبح تحت رحمة السيطرة الأجنبية؛ لأن رأس المال الوطني أو العربي لا يقلقنا؛ وإنما الخطر الآن هو في رأس المال الأجنبي الذي تُقَدَم له كل التسهيلات بدعوى تشجيع الاستثمار. ومن أوجه هذه الخطورة أن رأس المال الأجنبي لن يستثمر – في المعتاد في مشروعات طويلة الأجل كالصناعات الثقيلة؛ وإنما جل استثماراته في التجارة أو الصناعات الخفيفة – الصناعات الغذائية أساسا – لكي يتمكن من تحويل أمواله في أي لحظة، ولكي يكون دوران الربح سريعا ولا يستغرق فترة حضانة طويلة مما يهيئ له تحويل أرباحه إلى الخارج في وقت سريع. فإذا أضفنا إلى هذا أن لصوص المال العام عادة يهربون سرقاتهم إلى المصارف الأجنبية التي تصب في النهاية في جيوب أعدائنا؛ عرفنا مدى الاستنزاف المنظم لاقتصادنا الوطني.

    تحرير التجارة:

    قلنا إن الكون لله، وإن الله سبحانه قد سخر ما في الكون للبشر أي أنه سخر الكل للكل؛ فالأصل في المنافع الإباحة؛ والحيازة والملكية؛ إنما هي نتيجة عمل حاضر أو ماضي؛ لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (29/البقرة)، وقولهأَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (20/القمان)، وقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (13/الجاثية)
    وفي هذه الآية الأخيرة تأكيد بأن هذا التسخير إنما هو من الله؛ ولتوضيح ذلك؛ فإن كل أحد يعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يسخر لأغراضه فأرا مثلا بينما يسخر حيوانات أخرى أعظم حجما كالفيل والجمل، حتى أن طفلا صغيرا يستطيع أن يقود جملا، وما ذلك إلا لأن الله سبحانه قد سخر له هذا، ولم يسخر له ذاك.
    وإذا كان ما في الأرض لمن في الأرض بموجب أن الله خلق الكل للكل؛ فإن الحواجز الجمركية تكون بغيا من الناس مخالفا للحكمة وتكون المكوس – الجمارك – عدوانا على أموال الناس؛ بل تكون من أشد الظلامات وأعظمها؛ إذ لا فرق بين الجمارك، وبين قطع الطريق وماذا يفعل قطاع الطريق أكثر من أن يعتدوا على أموال الناس.
    يقول ابن الأزرق عن المكوس – "تحريمها ثابت. قال النواوي: مما يتأكد النهي عنه والتحذير منه قول العوام وشبههم في المكوس المأخوذة ممن يبيع أو يشتري ونحو ذلك هذا حق السلطان ونحوه مما يشتمل على تسميته حقا ولازما، وهو من أشد المنكرات، وأشنع المستحدثات حتى قال بعض العلماء: من سمى هذا حقا فهو كافر؛ والصحيح أنه لا يكفر إلا إذا اعتقده حقا مع علمه بأنه ظلم. قال: فالصواب أن يقال فيه المكس أو ضريبة السلطان أو نحو ذلك من العبارات".[22]
    وقال المواردي في الأحكام السلطانية: "وأما أعشار الأموال المتنقلة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فمحرمة لا يبيحها شرع ولا يسوغها اجتهاد، ولا هي من سياسات العدل، ولا من قضايا النصفة، وقل ما تكون إلا في البلاد الجائرة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "شر الناس العشارون الحشارون".[23]
    وروى أبو عبيد في: "الأموال"، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن محمد بن إسحق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة التجيبي عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكس".[24]
    وقال: وحدثنا يحي بن بكير عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير قال سمعت رويفع بن ثابت يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن صاحب المكس في النار".[25] وقال: حدثنا الهيثم بن جميل عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن عبد الله بن عمرو، قال: إن صاحب المكس؛ لا يسأل عن شيء يؤخذ كما هو؛ فيرمى به في النار". وقال: حدثنا حسان بن عبد الله عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبيه قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: "أن ضع عن الناس الفدية، وضع عن الناس المائدة، وضع عن الناس المكس؛ وليس بالمكس ولكنه البخس الذي قال الله تعالى فيه: )وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ( (85/هود)؛ فمن جاءك بصدقة فاقبلها منه، ومن لم يأتك بها فالله حسيبه". وقال: حدثنا نعيم عن ضمرة عن كريز بن سليمان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوف القاري: "أن اركب إلى البيت الذي برفح؛ الذي يقال له بيت المكس؛ فاهدمه ثم احمله إلى البحر فانسفه فيه نسفا". وقال: حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن محيس بن ظبيان حدثه عن عبد الرحمن بن حسان عن رجل من جذام عن مالك بن عتاهية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقي صاحب عشور؛ فليضرب عنقه".
    وقال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن خالد العبسي عن عبد الرحمن بن معقل قال: "سألت زياد بن حدير: من كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا قلت: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم".[26]
    فأنت ترى من مجموع هذه الروايات؛ تحريم المكوس (الجمارك)؛ إلا في حالة واحدة؛ هي حالة المعاملة بالمثل؛ وذلك على بضائع الدول الأجنبية التي تفرض مثل هذه الرسوم على بضائع المسلمين، وأظن أن القارئ قد لا حظ أن تسمية "العشور" و"العشارون" ترجع إلى أن المعتاد عند من يأخذ المكوس المحرمة أنها كانت عشر القيمة، ومع ذلك اعتبروها من سياسات الجور، ولم يشذ عن ذلك أحد؛ فما بالك اليوم وقد تصل الجمارك إلى ثلاثة أضعاف القيمة وليس العشر؟.
    وقبل أن نختتم هذه المسألة لابد أن نذكر حجج المدافعين عن الجمارك، ونناقشها في ضوء المبررات الاقتصادية وحدها؛ فقد سبق أن أوضحنا الحكم الشرعي، وذلك حتى يتبين للقارئ المطابقة بين الحكم الشرعي والمصلحة؛ طبقا للمنهج الذي ارتضيناه؛ وهو أننا نرى في الشريعة نظاما معقولا من التكاليف التي تحقق مصالح العباد. وأهم تلك المبررات مبرران: الأول: القول بحماية الصناعة الناشئة، والثاني: زيادة موارد الخزانة العامة.
    أما القول بحماية الصناعة الناشئة من منافسة البضائع الأجنبية الرخيصة نسبيا بفرض ضرائب جمركية عليها؛ فمردود عليه بأن الصناعة التي تنشأ في ظل الحماية تعتاد عليها، ولا يمكنها أن تتطور ما دامت قد احتكرت السوق المحلي بفضل الأسوار الجمركية، وهذا أكبر عائق لنمو الصناعة الوطنية؛ فتظل الصناعة وليدة وقد شاب شعرها. والتطور الحقيقي للصناعة يأتي من المنافسة، وفتح الأسواق حيث تضطر المؤسسات الصناعية إلى مراقبة تكاليف الإنتاج، والتدقيق فيها، وتطوير مواصفاتها، وتحسينها باستمرار حتى تتمكن من البقاء في ظل المنافسة؛ بل وحتى تتمكن من التصدير. وإذا لم تكن لديها ميزات نسبية تمكنها من المنافسة؛ فالأجدى أن تختفي، وتركز كل بلد على القطاعات التي يمكنها المنافسة فيها.
    وأما القول بأن الجمارك تمثل موارد سيادية للدولة؛ فإنه يتعين ملاحظة أن فرض الجمارك على الواردات خاصة على مستلزمات الإنتاج يرفع تكلفة المنتجات الوطنية، ويجعلها غير قادرة على التصدير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن الجمارك عبارة عن ضرائب غير مباشرة، يقع عبؤها في النهاية على عاتق الفقراء؛ لأنها ستضاف إلى تكلفة الإنتاج في حالة الجمارك على مستلزمات الإنتاج، وستضاف إلى ثمن السلعة في حالة المنتجات الجاهزة للاستعمال؛ مما يمثل عبئا إضافيا على المستهلكين، ويؤثر سلبا على الطلب الفعال، ومن ثم على مجمل الأوضاع الاقتصادية. والعدالة الضريبية تقتضي أن تحدد الضريبة على أساس الدخل، ولا تضاف إلى أثمان السلع؛ لأنها في حالة الدخل – وهذا هو الطبيعي – يمكن التفرقة في تحمل أعبائها بين أصحاب الدخول المرتفعة، وبين أصحاب الدخول المحدودة؛ حيث تتحمل الفئة الأولى الجانب الأكبر؛ في حين أن إضافة الضريبة على ثمن السلعة يكون ضرره على محدودي الدخل أكبر بكثير بما يتناقض جوهريا مع مبدأ العدالة. وبديهي أن الركود الاقتصادي الذي ينتج عن هذه السياسة سيؤدي في النهاية إلى إنقاص محصول الضريبة، فمن المعروف أن للضرائب حدا معينا إذا زادت عنه نقص معدلها طبقا للانكماش الذي تحدثه هذه الزيادة. ومن ثم فإننا نرى في تحرير التجارة العالمية ما يتمشى مع منطق نظريتنا الاقتصادية؛ وإن كان هذا يمثل تحديا حقيقيا لنا بأن نجتهد، وندقق في إنتاجنا؛ حتى يتمكن من المنافسة.
    واتصالا بمبدأ حرية التجارة، يأتي تحريم التسعير، وترك تحديد السعر لآليات السوق: قال أبو يوسف في الخراج: "وحدثني سفيان بن عيينة عن أيوب عن الحسن قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسعر لنا يا رسول الله فقال: إن الله المُسَعِر إن الله هو القابض الباسط، وإني والله ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه؛ ولكن إنما أنا خازن أضع هذا الأمر حيث أُمِرت؛ وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه في نفس ولا دم ولا مال".[27]
    والسبب في ذلك أن التسعير سيتضمن غبنا إما للبائع وإما للمشتري؛ لأن نقطة التوازن الحقيقية هي في التفاعل بين العرض والطلب؛ بمعنى أنه إذا زاد الطلب على سلعة ما عن العرض ارتفع السعر فوجد كثير من التجار من مصلحتهم أن يدخلوا سوق هذه السلعة؛ فيزداد المعروض منها؛ فيعود السعر إلى الانخفاض. وهذا يفترض شرطين: أولهما حرية الدخول والخروج من وإلى السوق، والشرط الثاني: ذرية العرض والطلب؛ بمعنى أن البائع الواحد، وكذلك المشتري الواحد يكون بمثابة ذرة في السوق؛ فلا يكون في وسعه التأثير على السعر؛ وبعبارة أكثر إيجازا إن فعالية آليات العرض والطلب تقتضي عدم وجود احتكار لا في البيع ولا في الشراء؛ ولذلك جاء النهي عنه في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث: "الجالب مرزوق والمحتكر خاطئ"[28] وفي الحديث: "من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله وبرئ الله منه".[29] وجاء في عهد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى الأشتر النخعي لما ولاه مصر: "واعلم مع ذلك أن في كثير منهم (أي التجار وذوي الصناعات) ضيقا فاحشا وشحا قبيحا؛ واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا، بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع. فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به، وعاقب في غير إسراف".[30]
    ويتصل بذلك أيضا أن الإسلام لا يعرف العقوبات الاقتصادية؛ بمعنى مصادرة أموال الناس يقول ابن الأزرق: "قال الإمام الغزالي: لا عهد بها في الإسلام ولا تلائم تصرفات الشرع، مع أنها لم تتعين؛ لشرعية العقوبات البدنية بالسجن والضرب وغيرهما. قلت: وما ورد من ذلك في أول الإسلام فقد أجمعوا على نسخه. قال الطحاوي وابن رشد في سماع أشهب من كتاب السلطان: أن مالكا رحمه الله سئل: هل يجوز انتهاب متاع أهل السوق إذا خالفوا ما أمروا به؟. فقال: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان؛ وإن قتل نفسا، وأرى أن يُضرب من نهب أو انتهب يعني الآمر والطائع له".[31]
    وإذا كان لا يسوغ لجهة الإدارة أن تتدخل في التسعير، وأن تترك ذلك لآليات السوق، مع كفالة حرية السوق سواء في حرية العرض أو في حرية الطلب أو في المنع من الاحتكار والغش والتدليس، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغَرَر – أي التدليس في البيع – ونهى عن بيع شيء مجهول كبيع اللبن في الضرع أو السمك في الماء فهذا كله من بيع الغَرَر. ومن المتفق عليه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه؛ لأن هذا من قبيل الغرر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا التمر قبل بدو صلاحه".[32] وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تبع ما ليس عندك".[33] وما يصدق على التمر يصدق على باقي الثمار. ونهى أيضا عن بيع النجش؛[34] وهو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة بأكثر من ثمنها الحقيقي؛ لا ليشتريها بل ليضر غيره. كما نهى عن تلقي الركبان؛ بمعنى أن يخرج المشتري خارج المدينة التي بها السوق؛ ليتلقى القوافل التجارية قبل وصولها إلى السوق فيشتري منهم بأقل من السعر مستغلا جهلهم بسعر السوق لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَلَقوا الركبان للبيع، ولا يبع حاضر لباد".[35] وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها ولتنكح، فإنما لها ما كتب الله لها".[36] وبعبارة موجزة لجهة الإدارة أن تراقب الأسواق بمنع الغش والتدليس وكافة صور التحايل؛ لكن ليس لها أن تسعر إلا كإجراء مؤقت في حالة عدم توفر شروط حرية السوق. ومن قبيل التدخل الضار بالتجارة أن تقوم الدولة نفسها بالبيع والشراء أو أن يقوم الولاة والحكام بإدارة المشروعات التجارية وتملكها؛ لأن من شأن هذا أن يخل بالتوازن الضروري لاستقرار المعاملات الاقتصادية. ولذلك يعقد ابن خلدون في مقدمته فصلا بعنوان: "فصل في أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية"؛ ويقصد بالسلطان الدولة ينتهي فيه إلى أنه يتعين على الدولة ألا تباشر النشاط الاقتصادي؛ لأن تدخلها في السوق سيكون بفرض الأسعار بالغصب سواء في البيع أو في الشراء؛ مما يضر بالمعاملات الاقتصادية، ويجعل الناس تحجم عن البيع والشراء حتى لا يتعرضوا للغبن؛ فتقل الأموال ومن ثم تقل الجباية في النهاية.
    يقول ابن خلدون: "اعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف وكثرة العوائد والنفقات وقصّر الحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها ونفقاتها، واحتاجت إلى مزيد المال والجباية، فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم كما قدمنا ذلك في الفصل قبله، وتارة بالزيادة في ألقاب المكوس إن كان قد استحدث من قبل؛ وتارة بمقاسمة العمال والجباة وامتكاك عظامهم،[37] لمّا يرون أنهم قد حصلوا على شيء طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان، وتارة باستحداث التجارة والفلاحة للسلطان على تسمية الجباية،[38] لمّا يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد والغلات مع يسارة أموالهم، وأن الأرباح تكون على نسبة رؤوس الأموال. فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرض بها لحوالة الأسواق ويحسبون ذلك من إدرار الجباية وتكثير الفوائد، غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة.
    "فأولا: مضايقة الفلاحين والتجار في شراء الحيوان والبضائع وعدم تيسير أسباب ذلك؛ فإن الرعايا متكافئون، في اليسار متقاربون، ومزاحمة بعضهم بعضا تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب، وإذا رافقهم السلطان في ذلك، وماله أعظم كثيرا منهم، فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته، ويدخل على النفوس من ذلك غم ونكد.
    "ثم إن السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غضا أو بأيسر ثمن، إذ لا يجد من ينافسه في شرائه فيبخس ثمنه على بائعه.
    "ثم إذا حصل فوائد الفلاحة ومُغِلٌها كله من زرع أو حرير أو عسل أو سكر أو غير ذلك من أنواع الغلات، وحصلت بضائع التجارة من سائر الأنواع؛ فلا ينتظرون به حوالة الأسواق ولا نفاق البياعات لما يدعوهم إليه تكاليف الدولة، فيكلفون أهل تلك الأصناف من تاجر أو فلاح بشراء تلك البضائع، ولا يرضون في أثمانها إلا القيم وأزيد فيستوعبون في ذلك ناض[39] أموالهم وتبقى تلك البضائع بأيديهم عروضا جامدة ويمكثون عُطَّلا من التجارة التي فيها كسبهم ومعاشهم. وربما تدعوهم الضرورة إلى شيء من المال فيبيعون تلك السلع على كساد من الأسواق بأبخس ثمن. وربما يتكرر ذلك على التاجر والفلاح منهم بما يُذْهِبُ رأس ماله، فيقعد عن سوقه، ويتعدد ذلك ويتكرر، ويدخل به على الرعايا من العَنَت والمضايقة وفساد الأرباح ما يقبض آمالهم عن السعي في ذلك جملة ويؤدي إلى فساد الجباية، فإن معظم الجباية إنما هي من الفلاحين والتجار، لاسيما بعد وضع المكوس ونمو الجباية بها؛ فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة، ذهبت الجباية جملة أو دخلها النقص المتفاحش.[40]
    "وإذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية وبين هذه الأرباح القليلة وجدها بالنسبة إلى الجباية أقل من القليل. ثم إنه ولو كان مفيدا فيذهب له بحظ عظيم من الجباية فيما يعانيه من شراء أو بيع.... ثم فيه التعرض لأهل عمرانه، واختلال الدولة بفسادهم ونقصه؛ فإن الرعايا إذا قعدوا عن تثمير أموالهم بالفلاحة والتجارة نقصت وتلاشت النفقات، وكان فيها إتلاف أحوالهم، فافهم ذلك.
    "وكان الفرس لا يملّكون عليهم إلا من أهل بيت المملكة، ثم يختارونه من أهل الفضل والدين والأدب والسخاء والشجاعة والكرم، ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل، وألا يتخذ صنعة فيضر بجيرانه، ولا يتاجر فيحب غلاء الأسعار في البضائع، وألا يستخدم العبيد فإنهم لا يشيرون بخير ولا مصلحة.
    "واعلم أن السلطان لا ينمي ماله ولا يدر موجوده إلا الجباية، وإدرارها إنما يكون بالعدل في أهل الأموال، والنظر لهم بذلك؛ فبذلك تنبسط آمالهم، وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها؛ فتعظم منها جباية السلطان. وأما غير ذلك من تجارة أو فلح فإنما هو مضرة عاجلة للرعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة. وقد ينتهي الحال بهؤلاء المنسلخين للتجارة والفلاحة من الأمراء والمتغلبين في البلدان أنهم يتعرضون لشراء الغلاّت والسلع من أربابها الواردين على بلدهم، ويفرضون لذلك من الثمن ما يشاءون، ويبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من الرعايا بما يفرضون من الثمن وهذه أشد من الأولى وأقرب إلى فساد الرعية واختلال أحوالهم". [41]
    والسر في ذلك أن الأصل في التجارة هو التراضي؛ وهذا يقتضي وجود تكافؤ بين البائع والمشتري بحيث تكون المنفعة المتبادلة بينهما هي المحدد للسعر، وليس القوة السياسية أو الاحتكارية لطرف على طرف؛ وذلك لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (29/النساء). وقوله تعالى (بالباطل) أي بغير حق ووجوه الباطل في المعاملات كثيرة كما سبق أن بينا، وقوله (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) هذا استثناء منقطع؛ أي ولكن تجارة عن تراض. والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه الأجر الذي يعطيه الباري سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله. قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنـــــْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ( (10/الصف). وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (29/فاطر). وقال تعالى: (إِن َّاللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (111/التوبة). فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأغراض. وكل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض إلا أن قوله: (بالباطل) أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. والنهي عن قتل النفس في الآية إشارة واضحة إلى أن الأمة التي يفشو فيها هذا الداء – أكل أموال الناس بالباطل هي أمة تقتل نفسها بنفسها؛ لأنها تنتهي إلى الدمار؛ فالمال عصب الحياة والأمة التي تؤكل الأموال فيها بالباطل أمة تفقد أسباب الحياة؛ فإذا فقدت أسباب حياتها كانت كمن تقتل نفسها بنفسها.
  5. سمير البلوشي

    سمير البلوشي مدير مجالس شبكة بورصات إداري مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏4/12/2008
    المشاركات:
    9,953
    مكان الإقامة:
    مسقط - ُعمان
    العمر الفوركسي:
    من 8 الى 12 عام
    الخبرة البرمجية:
    متوسط
    شهادات اقتصادية:
    لا يوجد


    تحريم الربا:

    سبق أن رأينا في عرضنا الموجز لنظرية كينز في بداية هذا البحث، أنه يوصي بأن يبقى سعر الفائدة محصورا في أدنى مستوى ممكن نظرا للآثار الضارة لسعر الفائدة على الاقتصاد القومي، وهو يرى الإبقاء عليها في هذا المستوى وعدم إلغائها نهائيا حتى لا ينعدم الحافز على الادخار وبالتالي تقل الأموال المعروضة للاستثمار؛ ولكن الإسلام يحرم سعر الفائدة ويبطله نهائيا فكيف يمكن حل هذه المشكلة؟: إلغاء سعر الفائدة وفي نفس الوقت تشجيع الادخار والاستثمار؛ قبل أن نجيب على هذا السؤال نعرض بصورة موجزة لتحريم الربا كما ورد في القرآن الكريم دون أن ندخل في تفاصيل كثيرة ليس هذا مكانها؛ فإن تحريم الربا أمر معروف للكافة، ثم نتناول بعد ذلك المبررات الاقتصادية لسعر الفائدة، فإذا ما عرضنا هذه المبررات كما يقدمها أصحابها وناقشناها استطعنا أن نصل إلى الإجابة المقنعة في يسر بإذن الله.
    يقول المولى سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّـارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنـــــــُون َ(277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين َ(278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (275–279/البقرة).
    قال الفخر الرازي في تفسيره: "ذكروا في تحريم الربا وجوها:
    o أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض؛ لأن من يبيع الدرهم بدرهمين نقدا أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض. ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة قال صلى الله عليه وسلم: "حرمة مال الإنسان كحرمة دمه"؛[42] فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرما. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن للمالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحا؛ فلما تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضا عن انتفاعه بماله. قلنا: إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن؛ فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.
    o وثانيها: قال بعضهم: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب؛ وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا كان أو نسيئة؛ خف عليه اكتساب وجه المعيشة؛ فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة؛ وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات.
    o وثالثها: قيل السبب في تحريم عقد الربا أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله؛ ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين؛ فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.
    o ورابعها: وهو الغالب أن المقرض يكون غنيا والمستقرض يكون فقيرا؛ فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغني من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالا زائدا؛ وذلك غير جائز برحمة الرحيم.
    o وخامسها: أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص؛ ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق فوجب القطع بحرمة عقد الربا؛ وإن كنا لا نعلم الوجه فيه".[43]
    ويقول الرازي في تفسير قوله تعالى: "يمحق الله الربا ويربي الصدقات..."
    "اعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات، ذكر هاهنا ما يجري مجرى الدعاء إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده. وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد من الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير؛ فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال؛ إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة؛ إلا أنها زيادة في المعنى. ولما كان الأمر كذلك؛ كان اللائق بالعاقل ألا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف؛ بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف؛ فهذا وجه النظم، وفي الآية مسائل:
    "المسألة الأولى: المحق نقصان الشيء حالا بعد حال ومنه المحاق في الهلال؛ يقال: محقه الله فانمحق وامتحق، ويقال: هجير ماحق إذا نقص في كل شيء بحرارته.
    "المسألة الثانية: اعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة؛ أما في الدنيا فنقول: محق الربا في الدنيا من وجوه: أحدها: أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله قال صلى الله عليه وسلم: "الربا وإن كثر فإلى قُل".[44] وثانيها: إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال الأمانة وحصول إثم الفسق والقسوة والغلظة. وثالثها: أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه وذلك يكون سببا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله. ورابعها: أنه متى اشتهر بين الخلق أنه جمع ماله من الربا توجهت إليه الأطماع وقصده كل ظالم ومارق وطماع ويقولون: إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده.
    "وأما أن الربا سبب للمحق في الآخرة؛ فلوجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة رحم. وثانيها: أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة والعقوبة وذلك هو الخسار الأكبر. وثالثها: أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام؛[45] فإذا كان الغنى من الوجه الحلال؛ كذلك فما ظنك بالغنى من الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون؟ فذلك هو المحق والنقصان.
    "وأما إرباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا، وأن يكون المراد في الآخرة:
    "أما في الدنيا فمن وجوه: أحدها: أن من كان لله كان الله له؛ فإذا كان الإنسان مع فقره وحاجته يحسن إلى عبيد الله فالله تعالى لا يتركه ضائعا جائعا في الدنيا. وفي الحديث إن الملك ينادي كل يوم: "اللهم يسر لكل منفق خلفا ولممسك تلفا".[46] وثانيها: أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل وميل القلوب إليه وسكون الناس له وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال. وثالثها: أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة. ورابعها: الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء والضعفاء فكل أحد يحترز عن منازعته وكل ظالم وكل طماع لا يجوز أخذ شيء من ماله اللهم إلا نادرا فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدنيا.
    "وأما إرباؤها في الآخرة؛ فقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد".[47]الله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (104/التوبة)، ) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (276/البقرة). قال القفال رحمه الله تعالى: ونظير قوله تعالى: "يمحق الله الربا" المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ونظير قوله "ويربي الصدقات" المثل الذي ضربه بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة".[48] وتصديق ذلك بين في كتاب

    المبررات الاقتصادية لسعر الفائدة:
    من أهم المبررات التي يستند إليها المدافعون عن الربا عنصر المخاطرة؛ بمعنى أن الدائن حين يقرض المدين يكون في حالة مخاطرة بماله إذ قد يماطل المدين، وقد يضطر الدائن إلى اللجوء إلى القضاء. وردنا على هذه الحجة أن الإسلام لا يعترف بالمخاطرة أساسا مشروعا للكسب؛ ولذلك حرم القمار. والكسب يرتبط بالعمل المباشر أو المختزن. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يمكن معالجة موضوع المخاطرة بأخذ الضمانات الكافية على المدين ومنها الرهن.
    وأما المبرر الثاني الذي يقوله المدافعون عن النظام الربوي؛ فهو الانتظار: بمعنى أن الفائدة التي يدفعها المدين إلى الدائن هي تعويض له عن حرمانه من الانتفاع بالمال المُقرَض ومكافأة له على انتظاره طيلة المدة المتفق عليها، أو أجرة يتقاضاها الرأسمالي نظير انتفاع المدين بالمال الذي اقترضه منه كالأجرة التي يحصل عليها مالك الدار من المستأجر لقاء انتفاعه بسكناها. وردنا على ذلك في ضوء طريقة التفكير الإسلامي في التوزيع أن الإسلام لا يعترف بالكسب تحت اسم الأجر أو المكافأة إلا على أساس إنفاق عمل مباشر أو مختزن؛ وليس للرأسمالي عمل مباشر أو مختزن ينفقه ويمتصه المقترض ليدفع إليه أجرة ذلك؛ ما دام المال المقترض سوف يعود إلى الرأسمالي دون أن يتفتت أو يستهلك منه شيء؛ فلا مبرر للاعتراف بالفائدة؛ لأن الكسب بدون عمل منطق يتعارض مع تصورات الإسلام عن العدالة. وهناك من يبرر الفائدة بوصفها تعبيرا عن حق الرأسمالي في شيء من الأرباح التي جناها المقترض عن طريق ما قدم إليه من مال. وهذا القول لا موضع له في القروض التي ينفقها المدين على حاجاته الشخصية، ولا يربح بسببها شيئا؛ وإنما يبرهن على جواز حصول الرأسمالي على شيء من الأرباح حين يدفع المال إلى من يتجر به ويستثمره، وفي هذه الحالة يقر الإسلام حق الرأسمالي في ذلك؛ ولكن هذا الحق يعني اشتراك صاحب المال والعامل في الأرباح وربط حق الرأسمالي بنتائج العملية وهو معنى المضاربة في الإسلام؛ التي يتحمل فيها الرأسمالي الخسارة وحده، ويشارك العامل في الأرباح إذا حصلت بنسبة مئوية يتفقان عليها في العقد. وهذا يختلف بصورة جوهرية عن الفائدة بمفهومها الرأسمالي التي تضمن له أجرا ثابتا منفصلا عن نتائج العملية التجارية".[49]
    وقد أفتى الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر بحل فوائد البنوك على هذا الأساس - حين كان مفتيا – ورأى أن صورة التعامل المصرفي مثل عقد المضاربة أو القِراض.[50] ولكن المشاركة في عقد القِراض تنسب إلى الربح؛ وليس إلى رأس المال كما أن في عقد القِراض أو المضاربة؛ يكون الربح بين صاحب المال والعامل مشاعا ومعلوما بنسبة معينة كالنصف أو أكثر أو أقل؛ وبناء على ذلك فإنه إذا حدد أحدهما لنفسه مبلغا معينا مقدما كربح فسدت المضاربة. يقول صاحب فتح القدير: "عقد المضاربة يفسد باشتراط دراهم مسماة لأحد المتعاقدين".[51] ومن ثم فلو تجاوزنا عن الفارق بين المعاملتين؛ وقلنا إن معاملات المصارف من قبيل عقود المضاربة؛ فإن غايته أن تكون مضاربة فاسدة.
    "وجاءت الرأسمالية أخيرا على يد بعض رجالاتها بأقوى مبرراتها للفائدة؛ إذ فسرتها بوصفها تعبيرا عن الفارق بين قيمة السلع الحاضرة وقيمة سلع المستقبل؛ اعتقادا منها بأن للزمن دورا إيجابيا في تكوين القيمة. فالقيمة التبادلية لدينار اليوم أكبر من القيمة التبادلية لدينار المستقبل؛ فإذا أقرضت غيرك دينارا إلى سنة، كان من حقك في نهاية السنة؛ أن تحصل على أكثر من دينار لتسترد بذلك ما يساوي القيمة التبادلية للدينار الذي أقرضته. وكلما بعد ميعاد الوفاء ازدادت الفائدة التي يستحقها الرأسمالي تبعا لازدياد الفرق بين قيمة الحاضر وقيمة المستقبل بامتداد الفاصل الزمني بينهما وابتعاده.
    ويرد الأستاذ الشهيد على هذا التبرير بقوله: "والفكرة في هذا التبرير الرأسمالي تقوم على أساس خاطئ؛ وهو ربط توزيع ما بعد الإنتاج بنظرية القيمة؛ فإن نظرية توزيع ما بعد الإنتاج في الإسلام منفصلة عن نظرية القيمة، ولهذا رأينا أن كثيرا من العناصر التي تدخل في تكوين القيمة التبادلية للسلعة المنتجة ليس لها نصيب من تلك السلعة في التوزيع الإسلامي؛ وإنما لها أجور تتقاضاها من صاحب السلعة نظير خدماتها له في عملية الإنتاج. فالتوزيع على الأفراد في الإسلام لا يرتكز على أساس القيمة التبادلية لكي يمنح كل عنصر من عناصر الإنتاج نصيبا من الناتج يتفق مع دوره في تكوين القيمة التبادلية؛ وإنما يرتبط توزيع الثروة المنتجة في الإسلام بمفاهيمه المذهبية وتصوراته عن العدالة. فلا يجب من وجهة نظر الإسلام أن يدفع إلى الرأسمالي فائدة على القرض حتى إذا صح أن سلع الحاضر أكبر قيمة من سلع المستقبل؛ لأن هذا لا يكفي مذهبيا لتبرير الفائدة الربوية التي تعبر عن الفارق بين القيمتين؛ ما لم تتفق الفائدة مع التصورات التي يتبناها المذهب عن العدالة. وقد عرفنا سابقا أن الإسلام لا يعتبر من الناحية المذهبية كسبا لا يبرره إنفاق عمل مباشر أو مختزن، والفائدة من هذا القبيل؛ لأنها تبعا للتفسير الرأسمالي الأخير نتيجة لعامل الزمن وحده دون عمل منفق؛ فمن حق المذهب أن يمنع الرأسمالي عن استغلال الزمن في الحصول على كسب ربوي حتى لو اعترف المذهب بدور إيجابي لعامل الزمن في تكوين القيمة. وهكذا نعرف أن ربط عدالة التوزيع بنظرية القيمة خطأ، وهذا الخطأ يعبر عن عدم التمييز بين البحث المذهبي والبحث العلمي".[52]
    وكلام الأستاذ الشهيد صحيح من الناحية النظرية، ولكن من الناحية العملية؛ فإن تأثير عنصر الزمن يكون واضحا في تذبذب قيمة العملات الورقية. والغالب أن قيمة هذه العملات تنخفض باستمرار مع مرور الوقت خاصة في ظل الاقتصاديات التي تعاني من الاضطرابات والتغيرات السياسية والعقائدية التي تحكمها، ولنشرح هذه المسألة بشيء من التفصيل: للنقود في الأصل ثلاث وظائف منتجة في النظام الاقتصادي: الوظيفة الأولى: أنها وسيط للتبادل، والثانية: أنها معيار للقيم، والثالثة: أنها مخزن للقيم. وكانت النقود حتى وقت قريب هي الذهب والفضة؛ ولأن المعروض من الذهب لا يتغير كثيرا؛ فإن سعر الذهب كان ثابتا في المدى المتوسط ومن ثم صلح أن يكون معيارا للقيم، وحين بدأ الناس في استخدام العملة الورقية كانت في البداية مرتبطة بقاعدة الذهب أو بالغطاء الذهبي؛ بحيث كانت تقبل التحويل إلى الذهب، ولما تحررت المصارف المركزية من قاعدة الذهب؛ شهدت أسواق العملات تذبذبات ضخمة في أسعارها، وجاءت الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929 لتشهد انهيار بعض العملات انهيارا شبه تام. وأكثر ما تكون هذه الظاهرة في الاقتصاديات المضطربة؛ ولنضرب على ذلك مثلا حين ذهبت للحج عام 1984م، كان الريال السعودي يساوي ريالا مصريا، واليوم بعد ما يقرب من خمس وعشرين عاما الريال السعودي يساوي جنيه ونصف جنيه مصري؛ أي أن الجنيه الذي كان يعادل خمسة ريالات في ذلك الوقت لا يعادل الآن سوى ثلاثة أرباع الريال، وبالمثل الدولار الأمريكي كان يساوي وقتها خمسة وسبعون قرشا، واليوم يصل إلى ما يزيد عن الخمسة جنيهات؛ وهذا يعني انخفاض القوة الشرائية للجنيه؛ فإذا كان كيلو اللحم يساوي عشرة جنيهات من عشر سنوات فإنه يساوي الآن ستة وثلاثين جنيها. ومعنى هذا أن المقرض الذي يسترد قرضه بعد بضع سنين لابد أن يفقد قدرا كبيرا من قيمة القرض بسبب انخفاض القيمة الشرائية للعملة.
    بعض الباحثين انتهى من ذلك إلى أن النقود الورقية ليست نقودا؛ لأن أهم وظيفة للنقود أن تكون معيارا للقيم؛ فإذا كانت قيمة النقود نفسها غير ثابتة؛ فكيف تكون معيارا تقاس به قيم الأشياء؟. ولذلك انتهى هؤلاء الباحثين إلى أن تحديد نصاب الزكاة يجب أن يستند إلى الذهب وليس العملة الورقية؛ فإذا كان الفقهاء قديما قد قدروا هذا النصاب بعشرين درهما – أي بحوالي ثمانين جراما من الذهب – فتبقى هذه الكمية من الذهب هي المرجع في تقدير النصاب وليس العملة الورقية التي تسجل قيمتها انخفاضا مستمرا إزاء قيمة الذهب.[53]
    فكيف يمكن إذن علاج هذه الحالة – على مستوى المعاملات الفردية؛ فإنه يمكن للناس اللجوء إلى معيار آخر للقيم وهو الذهب؛ فإذا كان قرضا مقداره الآن ثلاثة آلاف جنيه مصري وإذا كان جرام الذهب سعره الآن ثلاثون جنيها؛ فإن هذا المبلغ يعادل مائة جرام من الذهب؛ فإذا حل موعد السداد بعد ثلاث سنوات مثلا وأصبح وقتها جرام الذهب يساوي أربعين جنيها مصريا؛ فإن قيمة القرض وقتها تساوي أربعة آلاف جنيه وليس ثلاثة آلاف جنيه. ويبدو هذا الحساب أشبه بالعدالة؛ لأنه إذا كانت الفوائد الربوية ليس لها مبرر اقتصادي، وتمثل غبنا على المقترض؛ فإن التضخم يقلل من قيمة العملة، ويمثل بالتالي غبنا على المقرض؛ والقاعدة الشرعية الكلية تقول: لا ضرر ولا ضرار.
    هذا على المستوى الفردي؛ وأما على المستوى العام فإن تثبيت قيمة العملات بالعودة إلى قاعدة الذهب أصبح شبه مستحيل الآن؛ لأن الاقتصاديات القديمة التي اعتمدت الذهب كنقود كانت تتميز بسمة أساسية هي أن كل أسرة عبارة عن وحدة منتجة بذاتها، وتعتمد في احتياجاتها اليومية على ما تنتجه بذاتها: كل أسرة لديها قطعة أرض تزرعها أو ترعى عليها لديها ماشيتها وطيورها فلا تتعامل بالنقود إلا في الاحتياجات غير الضرورية وغير اليومية؛ أي أن التعامل النقدي كان محدودا؛ ولما كانت كمية الذهب محدودة فقد كانت وافية بالاحتياجات النقدية لمثل هذا الوضع الاقتصادي. أما الآن فقد اتسع نطاق التعامل النقدي اتساعا هائلا بحيث أصبح من المحال أن تفي كميات الذهب المحدودة باحتياجات هذا النظام. والعلاج الأنجع من وجهة نظرنا هو التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية أو على الأقل كبداية الدول العربية؛ لأن مثل هذا التكامل يحقق لها قدرا من القوة الاقتصادية يمكنها من تدعيم عملتها حتى لا تخضع للتقلبات الشديدة لضعفها إزاء التكتلات الاقتصادية الضخمة التي تسود عالم اليوم: الولايات المتحدة من ناحية، والصين من ناحية، واليابان من ناحية ثالثة، والاتحاد الأوروبي من ناحية رابعة. وبدون هذا التكتل سيظل اقتصادنا تابعا لأنه سيقع تحت رحمة الاحتكارات الكبرى التي تستطيع التحكم في مساره وفرض شروطها عليه: إن في البيع وإن في الشراء؛ أي ستظل معدلات التبادل التجاري الدولي في غير صالحه.
    نعود الآن إلى محاولة الإجابة على التساؤل الذي أثرناه في بداية المبحث السابق – تحريم الربا - وهو كيف يمكن إلغاء سعر الفائدة، وفي نفس الوقت تشجيع الاستثمار؟. سبق أن أوضحنا أن هناك دافع سلبي على الاستثمار – في النظرية الإسلامية – ويتمثل هذا الدافع في أن الأموال المدخرة تكون عرضة للتآكل بإخراج الصدقات عنها ما لم تدخل سوق الاستثمار. ثم هناك صورة أخرى هي صورة عقد المضاربة (القِراض) والتي يمكن أن تكون اليوم عن طريق شركات المساهمة؛ وهي شركات تطرح رأسمالها في صورة أسهم لكل سهم قيمة اسمية محددة، وما يتحصل للشركة من أرباح يوزع على المساهمين بعد خصم المصاريف الإدارية.
    وهذه الشركات العملاقة – والتي هي في نفس الوقت أداة فعالة لتجميع المدخرات – لأن كل مساهم لا يستطيع وحده إقامة مشروع كبير؛ ولكن مع غيره يمكن تكوين كيانات عملاقة – مثل هذه الشركات لعبت دورا هاما في تطوير الاقتصاد الغربي والعالمي؛ بل وتطوير البحث العلمي ذاته؛ يقول الصادق النيهوم تحت عنوان: "كلمة السر هي الناس":
    "قبل مولد الشركات كان العلم هواية، وكانت نتائجه المدهشة تظل في العادة نتائج مدهشة على الورق؛ فنظرية التوتر الكهربائي كانت ستظل مجرد نوع من الرجم بالغيب لولا أن شركة أديسون صنعت المصباح الكهربائي، ونظرية الموجات الأثيرية كانت ستظل نظرية غيبية أخرى لولا أن شركة ماركوني نجحت في تصنيع الجهاز الذي يستقبلها على قنوات محددة، ونتائج البحوث الجارية حاليا في الجينات كانت ستظل علما خرافيا مثل علوم السحرة لولا أن شركات الطعام سارعت إلى تطوير فصائل جديدة من بذور القمح والأبقار والدجاج.
    "إن هذه الشركات هي التي فتحت قمقم المارد وسخرت نتائج العلم لتغير وجه الأرض والسماء معا ومن دون هذه الشركات يصبح العلم مجرد مارد من ورق.
    "ورأس المشكلة أن الدول العربية لا تستطيع أن تدخل عصر الشركات حتى بمعونة الخبراء بسبب نقص أساسي في قاعدتها الإدارية؛ فأمور العرب ليست في أيدي العرب؛ بل في أيدي حكوماتهم، وفي صيغة مالية من هذا النوع لا يكون المواطن شريكا مساهما في الوطن، بل يكون موظفا فيه وتصبح فكرة شركة المساهمة نفسها انقلابا سافرا على نظام الحكم. إن الدول العربية قد تقف على باب العلم ألف سنة أخرى من دون أن تدخله لأن حارس الكنز لا يفتح باب الكنز حتى يسمع كلمة السر. وكلمة السر هي "الحرية" هي إطلاق سراح المواطن العربي والمال العربي من سجنهما الطويل في خزائن الحكومة وإنهاء عصر الإقطاع المقنع في مصارف الدول العربية. كلمة السر هي "الناس" فإذا استعاد الناس حقهم في العمل وأصبح المال مالا عاما حقا يتحول الوطن إلى شركة مساهمة وتتحول شركة المساهمة إلى دولة تدار بأيدي المساهمين فيصبح أعضاء مجلس الإدارة عرضة للحساب في أدق التفاصيل ويتجه التعليم لزيادة الإنتاج ويلتزم التخطيط بتطوير البيئة وتدخل الدولة عصر العلم وهي تحمل سلة كبيرة من ثماره. من دون الناس ليس ثمة سلة".[54]
  6. سمير البلوشي

    سمير البلوشي مدير مجالس شبكة بورصات إداري مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏4/12/2008
    المشاركات:
    9,953
    مكان الإقامة:
    مسقط - ُعمان
    العمر الفوركسي:
    من 8 الى 12 عام
    الخبرة البرمجية:
    متوسط
    شهادات اقتصادية:
    لا يوجد


    التأمين:

    "روى الإمام أحمد بن حنبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا قيل: الناس كلهم يا رسول الله؟ قال النبي الكريم: من لم يأكله ناله غباره".[55] وإن ذلك من دلائل النبوة فإن هذا هو زماننا الذي ابتلينا به والذي تفرقنا فيه وأكلتنا ذئاب الأرض.
    "وإنه إذا كنا نحرم الربا في كل صوره، فإنا أيضا نحرم القمار والميسر في كل مظاهره فقد وجدنا عقود القمار التي تسمى التأمينات التي تعقد بين الآحاد والشركات تسير مع الربا جنبا لجنب وهو يلازمها فعقود التأمين على الحياة وعقود التأمين على البضائع من القمار؛ وليس منه التأمينات الاجتماعية التي يتضافر فيها جماعة من الناس في ظل الدولة أو بتنظيمها في أن يكفلوا لكل من تهلك بضاعته أو تذهب نفسه ويترك عيالا ضياعا، على أن يؤدي كل واحد جزءا من المال بشكل رتيب شهري أو سنوي وأن تكون الفائدة للمجموع تصرف من هذه المصارف والخسارة على المجموع؛ فإن ذلك تعاون والله تعالى يقول: )وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ( (2/المائدة).
    "وقد يقول قائل: إن النظام الاجتماعي يقوم على الإقراض والاقتراض، ولا يتم ذلك إلا بالفائدة، وإن التأمينات بكل صورها ضرورات اقتصادية، ولا مناص منها؛ فكيف تريد أن تهمل تلك الجامعة إهمالا؟. إنها بذلك تهدم البناء الاجتماعي، ولا يمكن أن تقوم مدنية بغيره إسلامية كانت أو غير إسلامية. ونحن نقول في الجواب عن ذلك: إننا نريد مدينة فاضلة تخلو من سحت الفائدة وسحت القمار معا، وليس فيهما خير لا يمكن أن يتحقق من دونهما؛ فإذا كان الشر ينتج خيرا، فالخير لا ينتج إلا خيرا وهو خير لا يشوبه شر. وإذا أُريد نظام إسلامي؛ فإنا نقيمه على أساس التعاون، ومصارف الادخار التي يكون نظامها قائما على التعاون بين المقرض والمقترض، بين المصرف ومن يعامله؛ فإن خسر خسرا معا، وإن كسب كسبا معا ويكون منه التأمين على البضائع ويكون القرض الحسن الذي لا فائدة فيه ولا ما يشبه الفائدة. وأما التأمين على النفس فيكون بالتأمين الجماعي الذي هو التعاون على الصورة التي ذكرناها، وفي الجملة نريد أن تكون الجامعة إسلامية في نظمها وفي أحكامها وتأليفها".[56]


    سياسة المال:

    في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

    في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن موارد بيت المال وفيرة؛ لأن المهاجرين قد تركوا ديارهم وأموالهم فوسعهم الأنصار وشاركوهم وآخوهم، وكان عدد المسلمين بعد محدودا وقبل الغزو لم يكن لبيت المال من مورد إلا صدقة التطوع للإنفاق في سبيل الله. فلما بدأت الغزوات وفرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة وجد المورد الأساسي – وهو الزكاة – ومورد آخر هو مورد الغنيمة الذي يحصل المحاربون على أربعة أخماسه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الراجل سهما والفارس سهمين مقررا مبدأ الرجل وبلاؤه. وكان يعطي الأعزب سهما والمتزوج سهمين مقررا مبدأ الرجل وحاجته. أما الخمس فكان يوزع على مصارفه في المصالح العامة للمسلمين.
    ثم كان أول فيء في غزوة بني النضير؛ فجعله الرسول صلى الله عليه وسلم للمهاجرين خاصة لم يعط منه الأنصار شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة هم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة. وجاء القرآن بعد ذلك فقرر المبدأ الإسلامي العام: (كَيْلا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) (7/الحشر) أي حتى لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها واقعا في يد الأغنياء يتداولونه بينهم ويحرم منه الفقير.
    ثم أخذت موارد المسلمين تتسع باتساع رقعة الإسلام وتوالي الفتوح؛ فأخذ الرخاء يشمل شيئا فشيئا جموع المسلمين على السواء إذ كانوا جميعا شركاء في بيت المال. عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فإن ترك وفاء صلى عليه وإلا قال: صلوا على صاحبكم". فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات عليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته".[57]

    في عهد أبي بكر رضي الله عنه:

    وحين لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وارتد من ارتد ومنعوا الزكاة، وقف أبو بكر وقفته المشهورة وقال قولته الخالدة: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه" مخالفا في ذلك رأي عمر بن الخطاب الذي كان يرى – قبل أن يفئ إلى رأي بكر ويشرح الله له صدره ويعلم أنه الحق – أن القوم يقولون: لا إله إلا الله فلا يجوز قتالهم وقد بلغ من معارضته أن يقول في شيء من الحدة: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحق الإسلام وحسابه على الله".[58] فأجابه أبو بكر في تصميم: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة هي حق المال" وعندئذ يقول عمر: "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق".
    "وسار أبو بكر في توزيع أموال الزكاة على مصارفها المعهودة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك في أخماس الغنيمة وسائر الموارد. فكان يأخذ لنفسه ذلك القدر الضئيل الذي فرضه له المسلمون – وقيل إنه درهمان في اليوم – ثم يعطي أصحاب الفرائض فرائضهم، وما بقي في بيت المال ينفق في تجهيز الجيوش للجهاد".[59]
    وقد حدثت في عهد أبي بكر سابقة اختلف عليها هو وعمر؛ فقد رأى أبو بكر أن يسوي في القسمة بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام وبين الأحرار والموالي وبين الذكور والإناث، ورأى عمر مع جماعة من الصحابة أن يقدم أهل السبق في الإسلام على قدر منازلهم. فقال أبو بكر: "أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك! وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة".[60]

    عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

    وظلت هذه المساواة مرعية واليسر يفيض على المسلمين سواء كلما اتسعت الموارد حتى كان عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فظل مستمسكا برأيه الذي رآه: "لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه".
    قال أبو يوسف: "وحدثني محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: قدمت من البحرين بخمسمائة ألف درهم؛ فأتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ممسيا فقلت: يا أمير المؤمنين اقبض هذا المال. قال: وكم هو؟ قلت خمسمائة ألف درهم. قال: وتدري كم خمسمائة ألف؟. قلت نعم: مائة ألف ومائة ألف خمس مرات- قال: أنت ناعس. اذهب الليلة فبت حتى تصبح فلما أصبحت أتيته. فقلت اقبض مني هذا المال. قال: وكم هو؟. قلت: خمسمائة ألف درهم. قال: أمن طيب هو؟. قلت: لا أعلم إلا ذاك. فقال عمر رضي الله عنه: "أيها الناس إنه قد جاءنا مال كثير؛ فإن شئتم أن نكيل لكم كلنا، وإن شئتم أن نعد لكم عددنا، وإن شئتم أن نزن لكم وزنا". فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين دون للناس دواوين يعطون عليها؛ فاشتهى عمر ذلك؛ ففرض للمهاجرين خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ولأزواج النبي صلى الله عليه وسلم إثنى عشر ألفا".[61]
    قال أبو يوسف: "وحدثني شيخ من أهل المدينة عن إسماعيل بن محمد عن السائب بن زيد عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: والذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أُعطيَه أو مُنِعَه، وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك. وما أنا فيه إلا كأحدهم؛ ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقَسْمِنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقَدَمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام. والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه؛ يعني في طلبه".[62] الله ففرض لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض لكل رجل هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم، ولكل رجل من مسلمة الفتح ألفين، ولغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح، وفرض للناس على منازلهم وقراءتهم القرآن وجهادهم، ثم جعل من بقي من الناس بابا واحدا.. ولم ينقص أحدا عن ثلاثمائة، وقال لئن كثر المال لأفرضن لكل رجل أربعة آلاف درهم؛ ألف لسفره، وألف لسلاحه، وألف يخلفها لأهلهن وألف لفرسه وبغله".[63] ثم إنه فرض لكل رجل شهد بدرا خمسة آلاف درهم في كل سنة، وفرض لكل من كان له إسلام كإسلام أهل بدر من مهاجرة الحبشة وممن شهد أحدا أربعة آلاف درهم في كل سنة، وفرض لأبناء البدريين ألفين ألفين؛ إلا حسنا وحسينا فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول
    غير أن عمر خرج عن القاعدة التي وضعها لتنظيم العطاء في أمر رجال ونساء زاد في عطائهم على عطاء أمثالهم ممن في طبقتهم؛ ففرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم. وعمر هذا هو ابن أم سلمة أم المؤمنين، وقد اعترض محمد بن عبد الله بن جحش، وقال لأمير المؤمنين: "لم تفضل عمر علينا؛ فقد هاجر آباؤنا وشهدوا". وأجابه ابن الخطاب بقوله: "أفضله لمكانه من النبي صلى الله عليه وسلم فليأتني الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه"، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف درهم؛ فقال عبد الله بن عمر: "فرضت لي ثلاثة آلاف وفرضت لأسامة أربعة آلاف وقد شهدت ما لم يشهد أسامة"؛ فأجابه عمر: زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك". وفرض لأسماء بنت عميس زوج أبي بكر ألف درهم ولأم كلثوم بنت عقبة ألف درهم ولأم عبد الله بن مسعود ألف درهم فزادهن على أمثالهن لمكانتهن الخاصة إذ كن أزواجا وأمهات لرجال لهن على غيرهن منزلة وفضل".[64]
    "هما رأيان إذن في تقسيم المال: رأي أبي بكر ورأي عمر وقد كان لرأي عمر رضي الله عنه سنده: "لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه"؛ فالرجل وبلاؤه في الإسلام؛ ولهذا الرأي أصل في الإسلام؛ وهو التعادل بين الجهد والجزاء، وكان لرأي أبي بكر رضي الله عنه سنده كذلك: "إنما أسلموا لله وعليه أجرهم يوفيهم ذلك يوم القيامة؛ وإنما هذه الدنيا بلاغ". ولكننا لا نتردد في اختيار رأي أبي بكر إذ كان أقمن أن يحقق المساواة بين المسلمين – وهي أصل كبير من أصول هذا الدين – وأحرى ألا ينتج النتائج الخطرة التي نشأت عن هذا التفاوت من تضخم ثروات فريق من الناس، وتزايد هذا التضخم عاما بعد عام بالاستثمار – والمعروف اقتصاديا أن زيادة الربح تتناسب إلى حد بعيد مع زيادة رأس المال – هذه النتائج التي رآها عمر في آخر أيام حياته فآلى على نفسه لئن جاء عليه العام ليسوي في الأعطيات. وقال قولته المشهورة: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء".
    "ولكن و ا أسفاه لقد فات الأوان وسبقت الأيام عمر ووقعت النتائج المؤلمة التي أودت بالتوازن في المجتمع الإسلامي، كما أدت فيما بعد إلى الفتنة بما أضيف إليها من تصرف مروان وإقرار عثمان! رجع عمر إذن عن رأيه في التفرقة بين المسلمين في العطاء حينما رأى نتائجه الخطيرة إلى رأي أبي بكر. وكذلك جاء رأي علي كرم الله وجهه مطابقا لرأي الخليفة الأول".[65]
    روى أبو يوسف قال: "وحدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني من سمع معدان بن طلحة اليعمري. قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحمد الله، وأثنى عليه ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر رضي الله عنه فاستغفر له، ثم قال: أيها الناس إنه لم يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله تعالى وإني أجد هذا المال لم يصلحه إلا خلال ثلاث: أن يؤخذ في الحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل. وإنما أنا ومالكم كوالي اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ولست أدع أحدا يظلم أحدا ولا يعتدي عليه حتى أضع خده بالأرض وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق. ولكم عليّ – أيها الناس – خصال أذكرها لكم فخذوني بها: لكم عليّ ألا أجتبي شيئا من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه، ولكم عليّ أن أزيد أعطياتكم وأرزاقكم إن شاء الله وأسد ثلم ثغوركم، ولكم عليّ ألا ألقيكم في المهالك، ولا أجمركم[66] في ثغوركم. وقد اقترب منكم زمان قليل الأمناء كثير القراء قليل الفقهاء كثير الأمل يعمل فيه أقوام للآخرة يطلبون به دنيا عريضة تأكل دين صاحبها كما تأكل النار الحطب! ألا فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليصبر.
    "أيها الناس إن الله عظَّم حقه فوق حق خلقه. قال فيما عظَّم من حقه: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (80/آل عمران). ألا وإني لم أبعثكم أمراء ولا جبارين؛ ولكن بعثتكم أئمة الهدى يهتدى بكم فأدروا على المسلمين حقوقهم ولا تضربوهم فتذلوهم ولا تجمروهم فتفتنوهم ولا تغلقوا الأبواب دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم ولا تستأثروا عليهم فتظلموهم ولا تجهلوا عليهم، وقاتلوا بهم الكفار طاقتهم فإذا رأيتم بهم كلالة فكفوا عن ذلك فإن ذلك أبلغ في جهاد عدوهم.
    "أيها الناس إني أشهدكم على أمراء الأمصار أني لم أبعثهم إلا ليفقهوا الناس في دينهم ويقسموا عليهم فيئهم ويحكموا بينهم فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ".[67]

    عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه:

    "وجاء عهد عثمان رضي الله عنه فلم ير أن يأخذ بالعزيمتين أو إحداهما؛ ترك الفضول لأصحابها فلم يردها وترك الأعطيات كذلك على تفاوتها؛ ولكن هذا لم يكن كل ما كان؛ بل وسّع أولا على الناس في العطاء فازداد الغني غنى وربما تبحبح الفقير قليلا، ثم جعل يمنح المنح الضخمة لمن لا تنقصهم الثروة، ثم أباح لقريش أن تضرب في الأرض تتاجر بأموالها المكدسة فتزيدها أضعافا مضاعفة، ثم أباح للأثرياء أن يقتنوا الضياع والدور في السواد وغير السواد، فإذا نوع من الفوارق المالية الضخمة يسود المجتمع الإسلامي في نهاية عهده يرحمه الله.
    "كان أبو بكر وكان عمر من بعده يتشددان في إمساك الجماعة من رؤوس قريش بالمدينة؛ لا يدعونهم يضربون في الأرض المفتوحة احتياطا لأن تمتد أبصار هؤلاء الرؤوس إلى المال والسلطان حين تجتمع إليهم الأنصار بحكم قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بحكم بلائهم في الإسلام وسابقتهم في الجهاد وما كان في هذا افتيات على الحرية الشخصية كما يفهمها الإسلام؛ فهذه الحرية محدودة بمصلحة الجماعة والنصح لها، فلما جاء عثمان أباح لهم أن يضربوا في الأرض ولم يبح لهم هذا وحده بل يسر لهم وحضهم على توظيف أموالهم في الدور والضياع في الأقاليم بعدما آتى بعضهم من الهبات مئات الآلاف.
    "لقد كان ذلك كله برا ورحمة بالمسلمين وبكبارهم خاصة؛ ولكنه أنشأ خطرا عظيما لم يكن خافيا على فطنة أبي بكر وفطنة عمر بعده. أنشأ الفوارق المالية والاجتماعية الضخمة في الجماعة الإسلامية، كما أنشأ طبقة تأتيها أرزاقها من كل مكان دون كد ولا تعب؛ فكان الترف الذي حاربه الإسلام بنصوصه وتوجيهاته كما حاربه الخليفتان قبل عثمان وحرصا على ألا يتيحاه.
    "عندئذ ثار الروح الإسلامي في نفوس بعض المسلمين يمثلهم أشدهم حرارة وثورة؛ أبو ذر؛ ذلك الصحابي الجليل الذي لم تجد هيئة الفتوى المصرية في الزمن الأخير إلا أن تخطئه في اتجاهه، وإلا أن تزعم لنفسها بصرا بالدين أكثر من بصره بدينه، ثم عادت في مناسبة أخرى فأصدرت فتوى بصواب اتجاهه عندما تغيرت الظروف الأولى! كأن دين الله سلعة تتجر بها الهيئة في سوق الرغبات!.
    قام أبو ذر ينكر على المترفين ترفهم الذي لا يعرفه الإسلام، وينكر على معاوية وأمية خاصة سياستهم التي تقر هذا الترف وتستزيد منه وتتمرغ فيه، وينكر على عثمان نفسه أن يهب من بيت المال المئات والألوف فيزيد في ثراء المثرين وترف المترفين. علم أن عثمان أعطى مروان بن الحكم خمس خراج أفريقيا، والحارث بن الحكم مائتي ألف درهم وزيد بن ثابت مائة ألف.... وما كان ضمير أبي ذر ليطيق شيئا من هذا كله؛ فانطلق يخطب في الناس: "لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله، ولا سنة نبيه. والله إني لأرى حقا يُطفأ وباطلا يحيا وصادقا مكذبا وأثرة بغير تقى! يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء، وبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. يا كانز المال اعلم أن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت، والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم، وأنت الثالث إن استطعت ألا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن. إن الله عز وجل يقول: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (92/آل عمران). اتخذتم ستور الحرير ونضائد الديباج وتألمتم الاضطجاع على الصوف الأذربي،[68]الله لا يشبع من خبز الشعير". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير، واختُلِف عليكم بألوان الطعام، وكان رسول
    "وروى مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر: "أنه جاء يستأذن على عثمان بن عفان فأذن له وبيده عصاه. فقال عثمان: يا كعب إن عبد الرحمن توفي، وترك مالا فما ترى فيه؟. فقال: إن كان يصل فيه حق الله فلا بأس عليه. فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني؛ أذر خلفي منه ست أواق".[69] أنشدك الله يا عثمان أسمعته – ثلاث مرات – قال: نعم.
    وما كانت مثل هذه الدعوى ليطيقها معاوية، ولا ليطيقها مروان بن الحكم؛ فما زالا به عند عثمان يحرضانه حتى كان مصيره إلى الربذة منفيا من الأرض في غير حرب لله ولرسوله، وفي غير سعي في الأرض بالفساد كما تقول شريعة الإسلام.
    لقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير مسلم لم تخدره الأطماع أمام تضخم فاحش في الثروات يفرق الجماعة الإسلامية طبقات، ويحطم الأسس التي جاء هذا الدين ليقيمها بين الناس، وبحسبنا أن نعرض هنا نموذجا للثروات الضخام أورده المسعودي في مروج الذهب قال: "وذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خيلا كثيرة وإبلا. وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور: منهم الزبير بن العوام بنى داره بالبصرة، وهي المعروفة في هذا الوقت – وهو سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة - تنزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضا دورا بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية. وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف ألف فرس وألف عبد وأمة. وكذلك طلحة بن عبد الله التميمي: ابتنى داره المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكُناسة بدار الطلحيين، وكانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج.
    وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري: ابتنى داره ووسعها، وكان مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف شاة من الغنم، وبلغ بعد وفاته ربع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفا. وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها، ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شرفات. وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس؛ غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار. وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مخصصة الظاهر والباطن. ومات يعلي بن منبه، وخلف خمسمائة ألف دينار، وديونا على الناس، وعقارات، وغير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار".[70]
    "هذا هو الثراء الذي بدأ صغيرا بإيثار بعض المسلمين على بعض في العطاء في أيام عمر – ذلك الإيثار الذي كان معتزما إبطاله وتلافي آثاره لولا أن عاجلته الطعنة التي لم تصب قلب عمر وحده؛ وإنما أصابت قلب الإسلام – ثم نما وازداد بإبقاء عثمان عليه فضلا عن العطايا والهبات والقطائع، ثم فشا فشوا ذريعا بتجميع الأملاك والضياع وموارد الاستغلال بما أباحه عثمان من شراء الأرضين في الأقاليم وتضخيم الملكيات في رقعة واسعة، وبمقاومة الصيحة الخالصة العميقة التي انبعثت من قلب أبي ذر، وكانت جديرة لو بلغت غايتها، ولو وجدت من الإمام استماعا لها أن تعدل الأوضاع، وأن تحقق ما أراده عمر في أواخر أيامه من رد فضول الأغنياء على الفقراء بما يبيحه له سلطان الإمامة لدفع الضرر عن الأمة؛ بل بما يحتمه عليه تحقيقا لمصلحة الجماعة.
    "وبقدر ما تكدست الثروات وتضخمت في جانب؛ كان الفقر والبؤس في الجانب الآخر حتما، وكانت النقمة والسخط كذلك، وما لبث هذا كله أن تجمع وتضخم لينبعث فتنة هائجة يستغلها أعداء الإسلام فتودي في النهاية بعثمان، وتودي معه بأمن الأمة الإسلامية وسلامتها، وتسلمها إلى اضطراب وفوران لم يخب أواره حتى كان قد غشي بدخانه على روح الإسلام وأسلم الأمة إلى ملك عضوض.
    "لذلك لم يكن غريبا أن يغضب أصحاب الأموال والمستنفعون من تفاوت الحظوظ في العطاء على سياسة المساواة والعدالة التي اعتزمها علي بعد عثمان وأن يتظاهروا بأنهم إنما ينصحون بالعدول عن هذه السياسة خوفا عليه من الانتقاض فما كان جوابه إلا أن يستلهم روح الإسلام في ضميره القوي، فيقول: "أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وُليت عليه؟. لو كان هذا المال لي لسويت بينهم؛ فكيف وإنما المال مال الله؟. ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة".[71]

    في عهد علي كرم الله وجهه:

    رجع عمر عن رأيه إذن في التفرقة بين المسلمين في العطاء حينما رأى نتائجه الخطيرة إلى رأي أبي بكر. وكذلك جاء رأي علي مطابقا لرأي الخليفة الأول- ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي كرم الله وجهه امتدادا طبيعيا لخلافة الشيخين قبله، وأن عهد عثمان الذي تحكم فيه مروان كان فجوة بينهما. بل لعل هذا بعينه ما دعا أهل الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتفضيل عثمان على علي عند اختيار الإمام بعد عمر؛ إذ عرفوا أن علي يسير بهم على نهج عمر من العدالة الصارمة والتشدد في الحق والتسوية في العطاء التي اعتزم عمر العودة إليها ومراقبة العمال والولاة، هذا فضلا عن أسباب أخرى منها أن العرب وقريشا بخاصة كانوا يريدون أن يستمتعوا بثمار الفتح كأمة غالبة، ومن ثم لم يكونوا ليرضوا بالمساواة بين المسلمين جميعا عربهم وعجمهم وقريشهم وغير قريشهم مما التمسوه من سيرة علي وخلقه، ومنها كما يقول ابن أبي الحديد من أنه وترها وسفك دماءها ونفوس العرب وأكبادها كما تعلم وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس فقد كان عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة قريبا، وسيف أمير المؤمنين علي عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد والضغائن في صدور القوم في طلب الثأر كما هي؛ فما كانت القلوب تميل له كل الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد.
    اختار علي مبدأ المساواة في العطاء وقد نص عليه في خطبته الأولى حيث قال: "ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه لصحبته؛ فإن الفضل غدا عند الله؛ وثوابه وأجره على الله. ألا وأيما رجل استجاب لله ولرسوله فصدق ملتنا ودخل ديننا واستقبل قبلتنا؛ فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله؛ يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين غدا عند الله أحسن الجزاء".
    "هذا هو المبدأ الإسلامي السليم الذي يتفق مع روح المساواة الإسلامية، ويكفل للمجتمع الإسلامي التوازن فلا يدع الثروات تتضخم إلا بقدر الجهد والعمل وحدهما؛ لا بفضل إتاحة فرصة لا تتاح للآخرين بوجود وفر من المال للعمل فيه أكبر مما لدى الآخرين.
    "وقد كان عمر في آخر أيامه على أن يفئ إلى هذا المبدأ؛ ولكنه عوجل فاستشهد ولم ينفذ عزيمته التي اعتزم بل عزيمتيه: عزيمته في أن يأخذ فضول أموال الأغنياء فيردها على الفقراء إذ كانت هذه الفضول قد نشأت في الأغلب من تفريقه في العطاء، وعزيمته في أن يسوي بينهم في العطاء فلا تعود هذه الفوارق إلى الظهور كما ظهرت، ولا يختل المجتمع الإسلامي كما بدأ يختل".[72]

    بنو أمية:

    فأما بنو أمية؛ فقد ساروا في المال سيرة أخرى معروفة في كتب التاريخ، وقد سنوا سنة الملك العضوض، ومن سنن هذا الملك العضوض؛ إنفاق المال العام في اللهو وفي أغراض الحكام من الترف والقصور والملاهي والفجور وعلى الحاشية والملهين والمداحين والمتملقين إلا من رحم ربك. وكان عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه استثناء؛ فقد عاد في سياسة المال إلى سيرة الخلفاء الراشدين والأئمة الهداة المهديين؛ فرد المظالم، وكف عن بعثرة أموال المسلمين في غير حقها؛ فلم يكن لبني أمية إلا ما لسائر الناس، ولم يكن للمتملقين والملهين نصيب في هذا المال.
    "لا عجب إذن حين تحفظ أموال المسلمين فترد على المستحقين أن يروي الرواة أن الناس اكتفوا في عهد عمر بن عبد العزيز حتى لا تجد الصدقات في بعض الأقطار من يأخذها لاغتناء عامة الأمة باستحقاقاتهم الأخرى عن أموال الصدقات، وفي ذلك يقول يحيى بن سعد: "بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقية فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم؛ فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من يأخذها منا؛ فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس؛ فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم".
    "إنما الفقر والحاجة ثمرة التضخم والزيادة. والفقراء في كل وقت هم ضحايا الأغنياء المفحشين. والأغنياء المفحشون في الغالب هم نتاج الأعطيات والإقطاعيات والمحاباة والظلم والاستغلال".[73]
  7. سمير البلوشي

    سمير البلوشي مدير مجالس شبكة بورصات إداري مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏4/12/2008
    المشاركات:
    9,953
    مكان الإقامة:
    مسقط - ُعمان
    العمر الفوركسي:
    من 8 الى 12 عام
    الخبرة البرمجية:
    متوسط
    شهادات اقتصادية:
    لا يوجد


    المراجع و الشرح:


    [1] المعروفون في تاريخ الفكر الاقتصادي باسم The Mercantilists.
    [2] ترجمه إلى العربية نهاد رضا ونُشر بعنوان: "النظرية العامة في الاقتصاد" – المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية – الجزائر – 1991.
    [3]الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحسنه، والحاكم من حديث ابن عمرو، وفي الباب عن أبي الأحوص عن أبيه، وعمران بن حصين، وابن مسعود.
    [4] شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب – العدالة الاجتماعية في الإسلام – دار الشروق – القاهرة – ص 122.
    [5] الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
    [6] شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب – العدالة الاجتماعية في الإسلام – المرجع السابق – ص 142/144.
    [7] متفق عليه من حديث أم سلمة.
    [8] الحديث.
    [9] أبو حامد الغزالي – إحياء علوم الدين – طبعة عيسى الحلبي بمصر – ج 4 – ص 88/90.
    [10] أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو.
    [11] أبو يوسف (المتوفى 182هـ) القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم – كتاب الخراج – دار الإصلاح – القاهرة – ص 207.
    [12] رواه البخاري عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "لا يمنع الماء ليمنع به الكلأ"، وعن ابن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ".
    [13] أخرجه أحمد في مسنده.
    [14] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 208/209.
    [15] أخرجه أبو داود - الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 207.
    [16] علي عبد الواحد وافي – المساواة في الإسلام – سلسلة اقرأ – عدد 235 – دار المعارف بمصر – طبعة ثالثة 1965 – ص 86/87.
    [17] الأم للشافعي – طبعة بولاق بمصر – ج 3 – ص 266.
    [18] أبو عبيد القاسم بن سلاّم (المتوفى 224هـ) – الأموال – مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة – 1395هـ - ص 75.
    [19] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 67/68.
    [20] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 134/135.
    [21] حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي (جلال الدين بن عبد الرحمن المتوفى 911هـ) – ج 2 – ص 67/71.
    [22] ابن الأزرق (المتوفى 896هـ) القاضي أبو عبد الله محمد بن علي الغرناطي المعروف بابن الأزرق – بدائع السلك في طبائع الملك – منشورات وزارة الإعلام – بغداد – العراق – تحقيق علي سامي النشار – 1397هـ – ص 300.
    [23] أبو الحسن الماوردي – الأحكام السلطانية – مصطفى البابي الحلبي بمصر – 1386هـ – ص 208.
    [24] أخرجه أحمد، والدارمي، وأبو داود وصححه على شرط مسلم من حديث عقبة بن عامر.
    [25] أخرجه أحمد في مسند الشاميين من حديث رويفع بن ثابت.
    [26] أبو عبيد القاسم بن سلاّم (المتوفى 224هـ) – الأموال – مكتبة الكليات الأزهرية – القاهرة – 1395هـ - ص 632/634.
    [27] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق- ص 11. والحديث أخرجه أحمد، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري، وكذلك أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أنس بن مالك؛ وقال الترمذي حسن صحيح، وأخرجه أحمد، وأبو داود من حديث أبي هريرة.
    [28] سنن ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر.
    [29] أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي.
    [30] نهج البلاغة – مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بشرح الأستاذ الإمام محمد عبده – مؤسسة الأعلمي بيروت - ج 3 – ص 100.
    [31] ابن الأزرق – بدائع السلك في طبائع الملك – المرجع السابق – طبعة بغداد – ص 297.
    [32] متفق عليه من حديث ابن عمر.
    [33] أحمد في مسنده من حديث حكيم بن حزام.
    [34] حديث النهي عن النجش: متفق عليه من حديث ابن عمر، وأبي هريرة.
    [35] متفق عليه من حديث ابن عباس، وأبي هريرة،
    [36] البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة.
    [37] مكّه وامتكّه امتصه جميعه.
    [38] أي تحت مسمى الجباية يعني ضرائب غير مباشرة مثل ضريبة المبيعات في مصر حاليا.
    [39] الناض من أموالهم أي ما ظهر منها أو ما تيسر منها وهو الدرهم والدينار، وفي اللغة أمر ناض أي ممكن وقد نض ينض نضيضا إذا أمكن وتيسر – تاج العروس للزبيدي.
    [40] يعني أن حاشية السلطان بعد أن تحصل على السلع لا تعرضها في الأسواق لتسري عليها قوانين العرض والطلب، بل تستدعي التجار وتلزمهم بشرائها بأثمان باهظة، فتمتص بذلك أموالهم، وتبقى هذه البضائع جامدة بأيديهم، إذ لا يجدون من يشتريها منهم بأثمان مجزية، فتتعطل تجارتهم التي فيها كسبهم ومعاشهم.
    [41] مقدمة ابن خلدون – ص 671/674 – طبعة لجنة البيان العربي بمصر.
    [42] أخرجه أبو نعيم في الحلية بلفظ: "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" من حديث ابن مسعود.
    [43] التفسير الكبير للرازي – ج 7 – ص 87/88.
    [44] أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث ابن مسعود.
    [45] الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ: "يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام"، وقال: حسن صحيح، وأحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم قال وتلا (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)، وابن ماجه بنحوه من حديث ابن عمر.
    [46] في صحيح البخاري: "1351 حدثنا إسماعيل قال حدثني أخي عن سليمان عن معاوية بن أبي مزرد عن أبي الحباب عن أبي هريرة رضي اللهم عنهم أن النبي صلى اللهم عليه وسلم قال ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا".
    [47] في مسند أحمد: "9707 حدثنا وكيع قال حدثنا عباد بن منصور وإسماعيل قال أخبرنا عباد المعنى عن القاسم بن محمد قال سمعت أبا هريرة وقال إسماعيل عن أبي هريرة يقول قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم إن الله عز وجل يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه أو فصيله حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد وقال وكيع في حديثه وتصديق ذلك في كتاب الله (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) (ويأخذ الصدقات) و (يمحق الله الربا ويربي الصدقات)".
    [48] التفسير الكبير للرازي – ج 7 – ص 94/96.
    [49] محمد باقر الصدر (الأستاذ الشهيد) – اقتصادنا – دار التعارف – بيروت – 1402هـ – ص 636/639.
    [50] محمد سيد طنطاوي – معاملات البنوك وأحكامها الشرعية – القاهرة – 1411هـ.
    [51] فتح القدير – ج 7 ص 417.
    [52] الأستاذ الشهيد – محمد باقر الصدر – اقتصادنا – المرجع السابق - ص 636/639.
    [53] من هؤلاء الباحثين: محمود الخالدي – انظر كتابه: زكاة النقود الورقية – دار شهاب – الجزائر - 1989.
    [54] الصادق النيهوم – الإسلام في الأسر – دار رياض الريس – لندن – 1991- ص 68/69.
    [55] أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة.
    [56] محمد أبو زهرة – الوحدة الإسلامية – دار الفكر العربي – القاهرة – ص 267/268.
    [57] أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
    [58] متفق عليه.
    [59] شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب – العدالة الاجتماعية في الإسلام – دار الشروق – القاهرة – ص 230.
    [60] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 99.
    [61] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 104.
    [62] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 106.
    [63] محمد حسين هيكل – الفاروق عمر – دار المعارف بمصر – 1981 – ج 2 – ص 210.
    [64] محمد حسين هيكل – الفاروق عمر – المرجع السابق – ج 2 ص 211.
    [65] العدالة الاجتماعية في الإسلام لشهيد الإسلام سيد قطب – ص 232/233.
    [66] تجمير الجيش: جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إلى أهلهم.
    [67] الخراج لأبي يوسف – المرجع السابق - ص 245/246.
    [68] أي الذي تصنع منه الزرابي وهي السجاجيد.
    [69] أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر.
    [70] المسعودي (المتوفى 346هـ) أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي – مروج الذهب ومعادن الجوهر – المكتبة العصرية – صيدا – 1408هـ - ج 2 – ص 341/343.
    [71] العدالة الاجتماعية لشهيد الإسلام – المرجع السابق - ص 234/239.
    [72] العدالة الاجتماعية لشهيد الإسلام – ص 234.
    [73] العدالة الاجتماعية لشهيد الإسلام – ص 239/240.
  8. Osary

    Osary مدير الموقع الإلكتروني للشبكة مشرف

    إنضم إلينا في:
    ‏2/12/2008
    المشاركات:
    2,232
    الخبرة البرمجية:
    محترف
    شهادات اقتصادية:
    BSC in Business administration Major banking , Strategic management diploma




    الحقيقة اننى انتمى الى جمهور محبى مثل تلك المواضيع [​IMG]

    كل الشكر لسمير وطلاته الجميلة [​IMG]

    يتبقى فقط بعض الوقفات على ماتقدم من طرح سوف انتقى منها الجزء الخاص ( بالتامين ) والذى هاجمه المؤلف وهاجاه بشكل اظنه عاطفى اكثر منه موضوعى .. وظع خط تحت اظنه من فضلك [​IMG]

    والصحيح ان وجهة نظرى تذهب الى اهمية التامين فى اى مجتمع حديث ويتبقى العقد الشرعى ضرورة لاجتناب الشبهة وترسخ فلسفة تاخذ باصل الحل ... والله واعلم ...
  9. الفيصل@

    الفيصل@ عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏7/11/2010
    المشاركات:
    25
    الخبرة البرمجية:
    مبتدئ


    بارك الله فيك
  10. محمد صبيري

    محمد صبيري عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏27/4/2010
    المشاركات:
    263
    مكان الإقامة:
    المغرب
    الخبرة البرمجية:
    متوسط



    [​IMG] [​IMG] [​IMG]


    الرعب بام عينيه

مشاركة هذه الصفحة